عمان – أصبح تعيين الخبراء أمام المحاكم النظامية إجراءً منظماً يعتمد على قواعد ومعايير واضحة تضمن اختيار الأنسب وفق طبيعة النزاع وتخصصه، حيث تحولت الخبرة من إجراء إسنادي محدود إلى عنصر حاسم في تكوين القناعة القضائية، خاصة في المنازعات الفنية أو الهندسية أو المالية أو الطبية، مما يتطلب رأياً متخصصاً للفصل في المسائل التقنية.

هذا التحول في دور الخبرة داخل العملية القضائية فرض ضرورة الانتقال من الاعتماد الشخصي إلى تنظيم مؤسسي يضبط آليات اعتماد الخبراء واختيارهم، ويحدد معايير كفاءتهم، ويؤطر سلوكهم المهني ضمن قواعد نزاهة واستقلالية واضحة.

في هذا السياق، جاء نظام شؤون الخبرة لسنة 2018 ليؤسس إطاراً قانونياً متكاملاً يعيد رسم العلاقة بين القضاء والخبرة على أسس تنظيمية واضحة، قوامها التسجيل المسبق والتحقق من الشروط والرقابة المؤسسية، مما يعزز الثقة في التقارير الفنية التي تستند إليها الأحكام القضائية.

شروط الخبرة.

الخبير القانوني أحمد بطمة أوضح أن الخبراء “معتمدون من المحاكم”، وأن آلية اختيار الخبير تمر عبر لجنة مختصة تحدد من تنطبق عليهم الشروط من الخبراء، حيث كان الخبير في السابق معروفاً لدى الأوساط القضائية، مما جعل التعيين يتأثر بعامل المعرفة والخبرة المتراكمة، بينما اليوم، يدخل القاضي إلى نظام “ميزان” ويحدد مجال الخبرة، ليظهر له اسم الخبير ومعلوماته بحسب الدور، ومن ثم يتم اختيار الخبير المناسب.

صلاحيات واسعة للمجلس.

هذا التحول ليس مجرد تحديث تقني، بل هو ترجمة مباشرة لفلسفة تنظيمية نصّ عليها النظام ذاته، حيث نصت المادة (4) من نظام شؤون الخبرة على تشكيل مجلس في وزارة العدل باسم “مجلس تنظيم شؤون الخبرة”، برئاسة وزير العدل وعضوية أمين عام الوزارة ورؤساء محاكم الاستئناف ونقيب المحامين وخمسة من ذوي الاختصاص، مما يعكس رغبة المشرّع في إضفاء طابع مؤسسي جامع على إدارة ملف الخبرة.

ويكتسب هذا المجلس ثقله من المادة (6) التي منحته صلاحيات واسعة تمس جوهر العملية القضائية، فهو الجهة التي تعتمد أنواع الخبرة وتشكل اللجان الفنية المختصة، وتقرّ معايير تأهيل الخبراء وتسميتهم واعتمادهم، كما تعتمد جدول الخبراء وأجورهم، وتصدر تعليمات قواعد السلوك المهني، ولها صلاحية شطب اسم الخبير أو وقفه مؤقتاً عند فقدان شروط التسجيل، مما يجعله سلطة ضبط مهني.

في ضوء ذلك، فإن ما أشار إليه بطمة بشأن أن “اللجنة المختصة هي التي تحدد من تنطبق عليه الشروط” يجد أساسه المباشر في هذا الإطار القانوني، إذ إن عملية الاعتماد تمر عبر معايير محددة وتوصيات فنية قبل أن تُقر من المجلس، وبالتالي، لم يعد إدراج اسم الخبير في السجل مسألة تقدير شخصي، بل نتيجة لعملية تقييم مؤسسية.

أما الشروط الواجب توافرها في الخبير، فحددتها المادة (8) بشكل واضح، إذ اشترطت أن يكون مؤهلاً علمياً أو فنياً أو مهنياً وفق المعايير المعتمدة، وألا يكون محكوماً بجناية أو جنحة مخلة بالشرف، وألا يكون قد عوقب تأديبياً لأسباب تمس النزاهة، وألا يكون قد شُطب اسمه نهائياً من السجل سابقاً، حيث تمتد هذه الشروط إلى السيرة والسلوك، مما يعكس إدراك المشرّع أن الخبير ليس مجرد فني، بل عنصر مؤثر في تحقيق العدالة.

وعلى مستوى التعيين القضائي، جاءت المادة (11) لتكرّس مبدأ الالتزام بالجدول الرسمي، إذ أوجبت على المحاكم، قدر الإمكان، تعيين الخبراء من ضمن جدول الخبراء في نطاق اختصاصها، مع جواز تعيين خبير من دائرة استئناف أخرى عند الحاجة، كما أجازت، عند عدم توافر نوع الخبرة، تعيين خبير من خارج الجدول مع إشعار مدير مديرية شؤون الخبرة، مما يعكس توازناً بين التنظيم والانفتاح.

وهنا يتقاطع النص مع ما ذكره بطمة بشأن نظام “ميزان”، حيث إن ظهور اسم الخبير للقاضي بحسب الدور يعكس فلسفة توزيع عادل ومنظم للقضايا، مما يحدّ من احتمالات الانتقائية أو التكرار غير المبرر، حيث أصبحت التقنية أداة لتنفيذ ما قرره النظام من التزام بالجدول.

تحديد مهام.

كما حددت المادة (12) مهام مدير مديرية شؤون الخبرة، ومنها الإشراف على السجل وتنفيذ قرارات المجلس وإدارة شؤون الدائرة، مما يضيف بعداً رقابياً وإدارياً مستمراً يضمن أن يبقى السجل محدثاً، وأن تُنفذ قرارات المجلس بصورة عملية.

غير أن التنظيم لم يقتصر على مرحلة الاعتماد والتعيين، بل امتد إلى ضبط السلوك المهني، حيث نصت المادة (15) من تعليمات شؤون الخبرة على التزامات جوهرية، منها أداء المهام بنزاهة وحياد واستقلالية، وإنجاز الأعمال ضمن المدد المحددة، والحفاظ على سرية الوثائق، والالتزام بتعليمات المحكمة، والإفصاح عن أي ضغوط يتعرض لها الخبير، مما يعكس انتقالاً من تصور الخبير كصاحب رأي فني فحسب إلى كونه صاحب وظيفة ذات بعد أخلاقي وقانوني.

قيود صريحة.

وجاءت المادة (16) لتضع قيوداً صريحة، تحظر قبول الهدايا أو المنافع، أو الوقوع في تضارب المصالح، أو استغلال المهنة لتحقيق مكاسب خاصة، أو إفشاء المعلومات، أو التواصل مع أحد أطراف الدعوى بغياب الآخر دون إذن المحكمة، كما أوجبت المادة (17) التنحي عند وجود قرابة أو مصلحة أو خصومة، فيما شددت المادة (18) على منع التأثير غير الموضوعي بين الخبراء عند تعددهم، أما المواد (19–24) فقد عززت ثقافة الالتزام بالقانون، وتسريع إنجاز المهام، والحفاظ على سلوك شخصي يعزز الثقة العامة، وعدم إبداء آراء خارج إطار التقرير القضائي، ومواكبة التطورات المهنية.

ومن خلال هذا البناء التشريعي المتكامل، يظهر أن مجلس تنظيم شؤون الخبرة ليس مجرد هيئة إدارية، بل هو أداة حوكمة مهنية تسعى إلى نقل الخبرة من دائرة العلاقات الشخصية والسمعة الفردية إلى فضاء مؤسسي منظم قائم على الشروط المسبقة والسجل المعتمد والرقابة المستمرة.