عمان شهدت تطورات ملحوظة في العقيدة العسكرية للدول منذ ظهور السلاح النووي في منتصف القرن العشرين حيث لم يعد يُعتبر مجرد أداة للدمار بل تحول إلى وسيلة استراتيجية تستخدم في إدارة الأزمات السياسية والحروب مما جعل التهديد النووي يُعتبر أداة ردع فعالة في بعض الأحيان وقد يتجه التحليل إلى إمكانية أن يكون هذا التهديد عاملاً يساهم في إنهاء الصراعات قبل تفاقمها.
في هذا السياق، تبرز إيران كنموذج على هذا التحول حيث بعد عقود من سياسة “الغموض الإستراتيجي” والالتزام بفتوى دينية تحظر السلاح النووي، بدأت التصريحات الإيرانية تتجه نحو التلميح بتغيير “العقيدة النووية” ليس بهدف شن حرب بل لحماية نفسها من التهديدات الخارجية.
وفي هذا الإطار، هدد الحرس الثوري الإيراني مؤخراً باستهداف مفاعل ديمونا في كيان الاحتلال الصهيوني مما يثير تساؤلات حول إمكانية أن يتحول التهديد النووي إلى وسيلة لإنهاء الصراعات أو أنه مجرد عامل يزيد من المخاطر العالمية.
ضربات نووية محتملة
رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات أشار إلى أن بعض التحليلات تطرح سيناريوهات متطرفة تتضمن احتمال استخدام الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلاح النووي ضد إيران أو في مواجهة تهديدات من قادة الحرس الثوري الإيراني باستهداف مفاعل ديمونا مما قد يؤدي إلى إشعاعات ودمار واسع في المنطقة.
كما أوضح شنيكات أن هذه الاحتمالات تُصنف ضمن السيناريوهات الأكثر عنفاً ودماراً مشدداً على أن الحروب عادة ما تتبع مسارها التقليدي المتمثل بالقصف المتبادل والضربات العسكرية المحدودة وليس بالضرورة أن تصل إلى تلك المستويات القصوى.
وفيما يتعلق بقدرة إيران على تدمير مفاعل ديمونا، أشار إلى أن المفاعل محصن بشكل كبير وتحيط به منظومات دفاع جوي متطورة مما يجعل استهدافه مهمة بالغة الصعوبة مضيفاً أن استخدام السلاح النووي في أي مواجهة سيكون له انعكاسات كارثية على دول المنطقة بأكملها وهو أمر يستبعد حدوثه رغم أن شخصية ترامب غير متوقعة وقد تفتح الباب أمام جميع الاحتمالات.
تهديدات تعكس أزمة داخلية
تطورت فكرة الردع لتشمل ما يعرف بـ”الإشارة النووية” أو التلويح باستخدام السلاح النووي دون استخدامه فعلياً حيث تهدف هذه الإستراتيجية إلى التأثير على حسابات الخصوم وإجبارهم على تعديل سلوكهم العسكري أو السياسي.
من هنا، اعتبر الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد أن التهديدات باستخدام السلاح النووي أو استهداف المفاعلات النووية في المنطقة ليست جديدة حيث سبق لإيران أن لوحت بضرب مفاعل ديمونا في حال سعت إسرائيل إلى تغيير النظام الإيراني.
مثل هذه التهديدات، بحسب الرداد، تصدر عادة عن أنظمة متشددة كما حدث مع روسيا حين لوحت باستخدام السلاح النووي ضد الغرب مبيناً أن هناك نوعين من التهديدات النووية الأول يتمثل بامتلاك قوة عظمى لسلاح نووي استراتيجي والتلويح باستخدامه في الحرب كما هو الحال مع روسيا والثاني يرتبط بمحاولات ضرب المفاعلات النووية لدى الخصوم وهو ما يظهر في تصريحات بعض قادة الحرس الثوري الإيراني.
وأضاف الرداد أن استهداف “ديمونة” ليس بالسهل نظراً للإجراءات الأمنية والعسكرية المكثفة التي تحيط به مما يجعل وصول الصواريخ أو الطائرات المسيرة الإيرانية إليه أمراً بالغ التعقيد مبيناً أن هذه التصريحات تعكس في جوهرها أزمة داخلية إيرانية أكثر مما تعكس تهديداً جدياً للاحتلال.
النووي أداة ردع لا خيار حرب
لطالما كان البرنامج النووي الإيراني محور توترات دولية لعقود وسط مخاوف غربية من احتمال تطوير طهران سلاحاً نووياً حيث يرى محللون غربيون أن مجرد اقتراب إيران من هذه العتبة النووية يمنحها قوة ردع كبيرة مما يجعل خصومها أكثر حذراً في التعامل معها عسكرياً.
ويحذر خبراء من أن الضغط العسكري على إيران قد يدفعها فعلياً إلى تطوير السلاح النووي كوسيلة لضمان أمنها مما قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي أن السلاح النووي أصبح جزءاً من منظومة الردع الدولي حيث ارتبط استخدامه أو التلويح به بمفهوم التهديد أكثر من كونه خياراً عملياً.
وأوضح الماضي أن تجربة استخدامه في اليابان عام 1945 جعلت اللجوء لهذا السلاح أو التهديد به يُنظر إليه بوصفه إفلاساً سياسياً وعسكرياً مما دفع دولاً غربية للتعامل معه ضمن إطار أخلاقي يقيد استخدامه حتى في أشد الأزمات.
وحيث أن التهديدات النووية لم تعد مألوفة في الخطاب السياسي الغربي سواء من الولايات المتحدة أو روسيا أو غيرهما من القوى الكبرى، يرى الماضي أن هذه الدول باتت تدرك أن مجرد التلويح باستخدامه يضعها أمام اختبار أخلاقي صعب.
ومع ذلك، أشار إلى أن إيران رغم عدم امتلاكها سلاحاً نووياً حتى الآن تلجأ إلى التهديد بضرب “ديمونة” في محاولة لإثارة القلق وتوسيع رقعة الحرب عبر وسائل غير تقليدية مشدداً على أن هذه التهديدات يجب أن تؤخذ بجدية نظراً لطبيعة العقيدة الصلبة التي يتمتع بها الحرس الثوري الإيراني والذي يرى نفسه حارساً لإنجازات الثورة منذ أكثر من 47 عاماً ويعتبر القوة المفرطة خارج الحدود جزءاً من دوره الإستراتيجي.
وأوضح الماضي أن الحرس الثوري ينظر لأي هزيمة أمام الولايات المتحدة أو كيان الاحتلال أو أي اضطرابات داخلية تهدد النظام بوصفها نهاية لمشروعه التاريخي مما يجعله متمسكاً بخطاب التهديد النووي مؤكداً ضرورة التمييز بين الدول التي تستخدم السلاح النووي كأداة ردع أخلاقي وسياسي كما هو الحال في الغرب وبين دول مثل كوريا الشمالية أو إيران التي قد ترى فيه وسيلة للدفاع عن نفسها وحماية مشروعها السياسي.

