عمان- تتبنى الدبلوماسية الأردنية نهجًا متكاملًا في التعامل مع الإغلاق الإسرائيلي للمسجد الأقصى، حيث يجمع هذا النهج بين الضغط الدولي والعمل القانوني والحضور الفعلي على الأرض، مما يسعى إلى حماية الهوية الدينية والقانونية للقدس والحفاظ على استقرار المنطقة.

وأكد خبراء في الشأن السياسي والاستراتيجي أن هذا المزيج من الحزم السياسي والهدوء الدبلوماسي، مدعومًا بشبكة علاقات دولية واسعة، يضع الأردن في موقع محوري لا يمكن تجاهله في أي معادلة تتعلق بالقدس أو مستقبلها.

في ظل تصاعد الإجراءات الإسرائيلية في القدس، واستمرار إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثامن على التوالي، تتركز الأنظار على التحركات الأردنية التي تبدو الأكثر فاعلية في مواجهة هذه الإجراءات.

فقد شهد المسجد الأقصى إغلاقًا قسريًا أجبر المصلين على مغادرة المكان ومنع أداء صلاتي العشاء والتراويح، كما حُرِم المصلون يوم الجمعة من صلاة الجمعة، وهو ما يُعتبر سابقة نادرة منذ احتلال القدس عام 1967، حيث لم تُغلَق بوابة المسجد أكثر من خمس مرات في أيام الجمعة خلال نصف قرن.

وتشير تحليلات الخبراء إلى أن هذه الإجراءات لا تُعتبر مجرد خطوة أمنية إسرائيلية عابرة، بل تحمل أبعادًا سياسية ودينية خطرة تستدعي تحركًا دبلوماسيًا سريعًا ومدروسًا.

كما أشار المختصون إلى أن أي إغلاق للمسجد الأقصى أو فرض قيود على الوصول إليه يُعتبر تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، مما يضع الدبلوماسية الأردنية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على الوضع التاريخي للقدس ووصايتها على المقدسات.

ورغم أن التأثير الدولي لأي تحرك دبلوماسي قد يظل محدودًا بسبب دعم بعض القوى الكبرى لإسرائيل، فإن التحركات الأردنية المستمرة تحقق هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، وهو منع تكريس الإجراءات الإسرائيلية كأمر واقع وإبقاء قضية القدس حاضرة بقوة في الأجندة الدولية.

وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المتكرر في القدس، تتحرك الدبلوماسية الأردنية عبر أدوات قانونية ودبلوماسية دولية، بهدف مواجهة هذه الإجراءات والحد من آثارها على الواقع في المدينة المقدسة.

تفعيل الأدوات الدبلوماسية

في هذا السياق، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد أن التحرك الأردني يأتي ضمن إطار أوسع من المواجهة الدبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأشار أبو زيد إلى أن النهج الأردني يقوم على تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية في الساحة الدولية، موضحًا أن الإجراءات الأردنية تندرج في إطار محاولة المواجهة الدبلوماسية المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي عبر القوانين والقوة الدولية.

وأضاف أن هذا المسار يندرج ضمن سياق أوسع من التحرك السياسي والدبلوماسي الذي يهدف إلى حشد المواقف الدولية تجاه ما يجري في القدس.

وبحسب أبو زيد، فإن التحرك الأردني لا يقتصر على رد فعل سياسي مباشر، بل يعتمد أيضًا على بناء شبكة ضغط دولية تجاه الإجراءات الإسرائيلية، مؤكدًا أن ما قام به الأردن من دبلوماسية يندرج في إطار محاولة الحشد الدبلوماسي تجاه الإجراءات الإسرائيلية في القدس.

كما أشار إلى أن التحرك الأردني يأتي غالبًا بشكل موازٍ لأي خطوة إسرائيلية تمس بالوضع القائم في القدس أو المقدسات الإسلامية والمسيحية، لافتًا إلى أن كل مرة يقوم الاحتلال الإسرائيلي بإجراءات في محاولة تهويد القدس، يقوم الأردن بإجراءات معاكسة أيضًا.

وزاد أن هذه الإجراءات ترتبط أساسًا بتكثيف الاتصالات والتحركات الدبلوماسية مع الأطراف الدولية المؤثرة، موضحًا أن جزءًا مهمًا من هذا التحرك يتم عبر تعزيز التواصل مع القوى الدولية والمؤسسات المؤثرة في النظام الدولي.

النظرة الأردنية للقدس

وفي الإطار ذاته، أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي أن هذا الملف يحتل موقعًا متقدمًا في أولويات التحرك الأردني على المستويين السياسي والدبلوماسي.

وأشار الماضي إلى أن الأردن ينظر إلى القدس من زاويتين أساسيتين، دينية وسياسية، مضيفًا أن الأردن يتعامل مع القدس كقضية محورية في سياسته الخارجية للأسباب الدينية المعروفة كما للأسباب السياسية والاستراتيجية.

وأوضح أن مكانة القدس في الوعي العربي والإسلامي تجعلها قضية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا عاديًا في العلاقات الإقليمية، مؤكدًا أن القدس تمثل رمزية مهمة جدًا للصراع العربي الإسرائيلي.

كما لفت إلى أن شهر رمضان يشكل محطة حساسة في هذا السياق، حيث تتزايد التوترات المرتبطة بالوصول إلى المسجد الأقصى، مؤكدًا أن رمضان دائمًا ما يكون اختبارًا حقيقيًا للدبلوماسية الأردنية.

وفي المقابل، أشار إلى أن إسرائيل تحاول عرقلة هذه الجهود، موضحًا أنها تسعى إلى حرمان المقدسيين والشعب الفلسطيني من الوصول إلى المسجد الأقصى عبر الإغلاق والتضييق.

وبين الماضي أن التحرك الأردني لا يقتصر على المسار الدبلوماسي التقليدي فقط، بل يشمل أدوات متعددة تهدف إلى إبقاء قضية القدس في صدارة الاهتمام الدولي.

تجاوز المحرمات

ولدى الحديث عن القدس وما تشهده من إجراءات إسرائيلية متكررة، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة أن المسألة تتجاوز كونها خلافًا سياسيًا عاديا، لتلامس أبعادًا دينية وتاريخية وقانونية عميقة في المنطقة.

وقال الدعجة إن الأردن بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، والأهم بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، يجد نفسه في صلب هذا الملف الحساس.

وأشار إلى أن أي إجراء إسرائيلي يمس المسجد الأقصى لا يُنظر إليه في عمان باعتباره إجراءً أمنيًا محدودًا، بل كخطوة ذات أبعاد أوسع، موضحًا أن أي إجراءات إسرائيلية تمس المسجد الأقصى، مثل إغلاقه أمام المصلين أو فرض قيود على الدخول إليه، لا تقرأ في عمان كإجراء أمني عابر بل كخطوة ذات أبعاد سياسية ودينية خطرة تستدعي تحركًا دبلوماسيًا سريعًا ومدروسًا.

وفيما يتعلق بكيفية تعامل الدبلوماسية الأردنية مع هذه الإجراءات، قال الدعجة إن التحرك الأردني يعتمد على ثلاثة مسارات متوازية، هي المسار السياسي المباشر، والمسار القانوني الدولي، والمسار الدبلوماسي متعدد الأطراف.

وأضاف شارحًا أن الدبلوماسية الأردنية تعتمد على قنوات الاتصال الثنائية مع الدول المؤثرة في المشهد الدولي، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

ولفت الدعجة إلى أن الأردن يدرك أن التأثير الحقيقي على إسرائيل لا يتحقق فقط عبر البيانات السياسية، بل من خلال مواقف الدول الفاعلة، ولذلك تبادر عمان إلى إجراء اتصالات دبلوماسية سريعة مع العواصم الكبرى لشرح خطورة الإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى.

وبين أن هذه الاتصالات لا تركز فقط على البعد الديني للقضية، بل أيضًا على تداعياتها الأمنية والإقليمية، موضحًا أن المسجد الأقصى ليس موقعًا دينيًا عاديًا، بل نقطة حساسة يمكن لأي خطأ في إدارتها أن يشعل موجة توتر في المنطقة بأكملها.

أما المسار الثاني، فيتمثل في التحرك القانوني والدبلوماسي الدولي، حيث يستند الأردن إلى مرجعيات قانونية واضحة تتعلق بوضعه في القدس.

وأشار الدعجة إلى أن المملكة تمتلك وضعًا خاصًا في القدس بموجب الوصاية الهاشمية على المقدسات، وهو وضع اعترفت به الاتفاقيات الدولية كما أكدته معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994.

كما أكد أن قرارات الأمم المتحدة، وخصوصًا قرارات منظمة اليونسكو، تؤكد أن المسجد الأقصى أو الحرم القدسي الشريف موقع إسلامي خالص من حيث الإدارة الدينية، وأن أي تغيير في الوضع التاريخي والقانوني القائم يعد انتهاكًا للقانون الدولي.

وفي هذا الإطار، لفت الدعجة إلى أن الأردن يتحرك بانتظام في المؤسسات الدولية المختلفة، موضحًا أنه غالبًا ما نشهد تحركات أردنية في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، بهدف توثيق الانتهاكات الإسرائيلية وخلق ضغط سياسي دولي عليها.

أما المسار الثالث، فيتعلق بإدارة المقدسات على الأرض عبر دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية.

وأكد الدعجة أن هذه المؤسسة تمثل أكثر من مجرد جهة دينية، موضحًا أن هذه المؤسسة ليست مجرد جهة دينية بل تمثل حضورا سياديا أردنيا عمليًا في إدارة المسجد الأقصى، ومن خلال هذا الحضور يسعى الأردن إلى الحفاظ على الوضع القائم ومنع أي محاولات لفرض واقع جديد داخل الحرم القدسي.

وفيما يتعلق بحدود تأثير هذا التحرك على الساحة الدولية، رأى الدعجة أن تقييم هذا التأثير يتطلب قراءة واقعية لطبيعة موازين القوى في النظام الدولي، ومع ذلك أكد أن الدبلوماسية الأردنية نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ ثلاث حقائق مهمة في الوعي الدولي.

وقال إن الحقيقة الأولى أن الأردن هو الطرف الأكثر مصداقية في ملف القدس لأنه لا يتعامل مع القضية بمنطق المزايدة السياسية بل بمنطق المسؤولية التاريخية، ولهذا السبب تحرص العديد من الدول الغربية على الاستماع إلى الموقف الأردني باعتباره قراءة متوازنة للأوضاع في القدس.

أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في إدراك المجتمع الدولي لحساسية المسجد الأقصى وتأثير أي توتر فيه على الاستقرار الإقليمي، حيث إن أي تصعيد في المسجد الأقصى قد يتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية، كما أن التجارب خلال السنوات الماضية أظهرت أن التوتر في الأقصى غالبًا ما يترافق مع موجات احتجاج واسعة وارتفاع في مستويات التوتر الأمني في المنطقة.

وبين أن الحقيقة الثالثة التي نجح الأردن في ترسيخها دبلوماسيًا تتمثل في نقل ملف القدس من كونه قضية فلسطينية داخلية إلى قضية استقرار إقليمي ودولي.

وأضاف في هذا السياق أن الأردن نجح في نقل ملف القدس من كونه قضية فلسطينية داخلية إلى قضية استقرار إقليمي ودولي، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته ويجعل من الصعب التعامل مع ما يجري في القدس باعتباره أزمة عابرة.

ومع ذلك، أشار الدعجة إلى أن تأثير أي تحرك دبلوماسي يبقى مرتبطًا بطبيعة موازين القوى الدولية، موضحًا أن إسرائيل تحظى بدعم سياسي قوي من بعض القوى الكبرى، وهو ما قد يحد أحيانًا من قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات حاسمة.

ورغم ذلك، شدد على أن التحرك الأردني المستمر يحقق هدفًا استراتيجيًا مهمًا يتمثل في منع تكريس الإجراءات الإسرائيلية كأمر واقع، مؤكدًا أن الدبلوماسية الأردنية تتعامل مع ملف المسجد الأقصى وفق منهجية تجمع بين الحزم السياسي والعمل الدبلوماسي الهادئ، حيث تدرك الدبلوماسية الأردنية أن حماية القدس لا تتحقق بالشعارات بل بعمل سياسي وقانوني متواصل وبناء شبكة دعم دولية قادرة على كبح أي محاولات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات.