أعلن أستاذ علم الآثار في كلية الملكة رانيا للسياحة والتراث في الجامعة الهاشمية الدكتور محمد وهيب عن اكتشاف جديد يُعتبر أقدم دليل على الاستيطان البشري خارج أفريقيا في جنوب بلاد الشام، حيث تم العثور على أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم السفلي في منطقة خربة السمراء بحوض نهر الزرقاء، مما يضع الأردن كموقع رئيسي في تاريخ البشرية بعد أفريقيا، وفقًا لدراسة حديثة نُشرت في مجلات علمية مرموقة.
أكد الدكتور وهيب في تصريح لوكالة الأنباء الأردنية أن الأدوات الحجرية التي تم العثور عليها، والتي تشمل فؤوس صوانية، تعود إلى ما يُقدّر بنحو 2.5 مليون سنة، مما يجعل الأردن واحدًا من أقدم المواقع التي شهدت وجود الإنسان بعد الهجرة الأولى من أفريقيا، متفوقًا على العديد من المواقع العالمية.
وأشار إلى أن موقع العبيدية في وادي الأردن قد قدم أدوات وبقايا تعود إلى 1.5 مليون سنة، موضحًا أن الأدوات الحجرية المكتشفة في الأردن تحتل الصدارة عالميًا من حيث العمر، بينما تحمل البقايا الهيكلية البشرية، مثل تلك الموجودة في موقع “دمانيسي” في جورجيا، سجلاً لأقدم البقايا البشرية يصل إلى 1.8 مليون سنة، مما يدل على أن البشر الأوائل الذين صنعوا أدواتهم في الزرقاء قد هاجروا شمالًا بعد مئات آلاف السنين، ليتركوا أثرًا هيكليًا واضحًا في مناطق مثل دمانيسي.
وأوضح الدكتور وهيب أن هذا الاكتشاف يفرض إعادة النظر في نظرية “الخروج من أفريقيا”، حيث كان يُعتقد سابقًا أن البشر غادروا القارة قبل 1.8 مليون سنة، بينما تشير الأدلة الأردنية إلى أن هذه الرحلة بدأت قبل ذلك بنحو 700 ألف سنة.
قال الدكتور وهيب إن الدراسة التي نشرت حديثًا اعتمدت على أبحاث علمية مكثفة، أبرزها أعمال العالم الإيطالي فابيو بارينتي، وتم نشرها في مجلات مرموقة مثل Quaternary Science Reviews و L’Anthropologie، مشيرًا إلى أن الأدوات الحجرية لم تكن نتيجة نقلها بفعل المياه، بل كانت مدمجة ضمن طبقات جيولوجية أصلية، مما يؤكد أصالتها وعصرها الزمني.
أفاد الدكتور وهيب بأن الأدوات المكتشفة تنتمي إلى الصناعة الأولدوانية، وهي أقدم تقنيات صناعة الأدوات البشرية، مشيرًا إلى أنها تشمل المظافر والشظايا، حيث استخدمت المظافر كأحجار صوانية مشذبة لإيجاد حواف قاطعة حادة، بينما استخدمت الشظايا كسكاكين بدائية لتقطيع اللحوم وكشط الجلود.
وأضاف أن البقايا الحيوانية المكتشفة، بما في ذلك الخيول والفيلة القديمة، تحمل علامات ذبح، مما يؤكد أن البشر الأوائل اعتمدوا على الصيد والقتات المباشر.
وأوضح الدكتور وهيب أن التأريخ تم عبر طريقتين دقيقتين، الأولى التأريخ المغناطيسي الطبقي الذي حدد عمر الأدوات بين 1.9 و2.5 مليون سنة خلال فترة “انقلاب” القطبية المغناطيسية لعصر ماتوياما، والثانية تأريخ بوتاسيوم-أرغون الذي أكد أن الصخور البركانية التي تغطي الطبقات تثبت أن الأدوات أقدم من الحمم البركانية المتصلبة فوقها.
وأشار الدكتور وهيب إلى أن وادي الزرقاء كان مركز استيطان دائم بفضل وفرة المياه والطرائد خلال العصر البليستوسيني، إذ إن هذه الاكتشافات تضع الأردن في قلب التاريخ البشري المبكر، كإحدى المحطات الأولى بعد مهد البشرية في أفريقيا.
أكد الدكتور وهيب أن الجامعة الهاشمية بالتعاون مع دائرة الآثار العامة أجرت أبحاثًا ودراسات توثيقية في وادي الزرقاء على مدار عشرين عامًا، بمشاركة طلبة الدراسات العليا، مما أسفر عن عشرات الأطروحات العلمية ونشر مئات المقالات المحكمة عالميًا، مشيرًا إلى أن هذه الجهود العلمية تسهم في توثيق السردية التاريخية الوطنية للأردن وتعزيز مكانته العلمية في علم الآثار العالمي.

