كتب الدكتور حمدان عبدالقادر غنيمات:
تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعدًا ملحوظًا في التوترات السياسية، حيث يبرز الصراع المرتبط بإيران كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من النزاعات التي تعيد تشكيل موازين القوى والنفوذ في المنطقة، مما يطرح تساؤلات حول موقف الأردن في خضم هذه التغيرات المتسارعة.
الأردن، الذي يمتلك تاريخًا طويلًا من التعامل مع الأزمات، يواجه تحديات جديدة تختلف عن تلك التي عرفها في السابق، فالتحولات السريعة في المنطقة والتحالفات المتغيرة تعكس واقعًا معقدًا يتطلب استجابة فعّالة من الدولة، حيث تزداد المخاطر وتعقد الصراعات بشكل يهدد الاستقرار الإقليمي.
التصعيد المرتبط بإيران لم يعد مجرد صراع سياسي بين أطراف إقليمية، بل أصبح شبكة معقدة من النفوذ والصدامات غير المباشرة، تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان، مما يزيد من احتمالية تأثير هذه التوترات على الحدود الأردنية.
تقع الأردن في منطقة جغرافية حساسة، حيث تحدها من الشمال سوريا التي لا تزال ساحة للصراعات، ومن الشرق العراق الذي يشهد توازنات دقيقة بين القوى العالمية والإقليمية، بينما يواجه الغرب قضايا معقدة أخرى، مما يجعل الاستقرار في الأردن إنجازًا يتطلب جهودًا مستمرة.
التحديات الاقتصادية تضاف إلى تلك السياسية، حيث يعاني الأردن من ضغوط اقتصادية متزايدة تشمل ارتفاع معدلات البطالة وعبء الدين العام، مما يؤثر على قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل، وفي ظل الأزمات الإقليمية، يصبح الوضع الاقتصادي أكثر عرضة للتقلبات الخارجية.
يدرك المواطن الأردني هذه الحقائق، حيث تتجلى الضغوط الاقتصادية في حياته اليومية، مما يجعله يشعر بأن كل تصعيد جديد في المنطقة ينعكس سلبًا على الأسعار وفرص العمل، مما يزيد من شعوره بالقلق حيال المستقبل.
اللحظة الحالية تتطلب من الأردن وضوحًا في الرؤية وجرأة في اتخاذ القرارات، حيث أن الدول التي تكتفي بإدارة الأزمات دون معالجة جذورها تبقى عرضة للمفاجآت.
يمتلك الأردن عناصر قوة حقيقية، تشمل مؤسسات دولة راسخة وأجهزة أمنية محترفة، بالإضافة إلى قيادة سياسية ذات خبرة في التعامل مع القضايا المعقدة، ومع ذلك، فإن قوة الدول تقاس أيضًا بقدرتها على التجدد والتكيف مع الظروف المتغيرة.
المرحلة المقبلة تحمل تحديات جديدة، حيث يدخل الشرق الأوسط في زمن من التحولات الكبرى، مما يتطلب من الدول إعادة تقييم مواقعها في الخريطة الجديدة للقوى والنفوذ.
يعتبر الأردن دولة ذات دور سياسي مؤثر يتجاوز حجمها الجغرافي، واستقرارها كان دائمًا عنصر توازن في المنطقة، لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب رؤية واضحة لمستقبل الدولة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، حيث يعتمد الاستقرار على قوة الاقتصاد وثقة المجتمع.
ومع اقتراب العاصفة الإقليمية، يواجه الأردن سؤالًا ملحًا: هل سيكتفي بإدارة الأزمات، أم سيعمل على تحويل التحديات إلى فرص لإعادة بناء قوته من الداخل
التاريخ لا ينتظر أحدًا، والمنطقة تتحرك بسرعة، وفي زمن التحولات الكبرى، فإن الدول التي تتأخر في اتخاذ القرارات قد تدفع الثمن لاحقًا بشكل مضاعف.

