في ظل تفاقم أزمة شح المياه في الأردن، يبرز التحدي الحالي في كيفية دمج الحلول المتنوعة ضمن منظومة متكاملة تشمل المشاريع الكبرى والتقنيات الحديثة والمبادرات المجتمعية، مما يسهم في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود وتحويل المعرفة العلمية إلى سياسات عملية مستدامة، حيث أشار خبراء في قطاع المياه إلى ضرورة وجود رؤية شاملة تجمع بين الاستثمار في مشاريع كبرى وتحديث البنية التحتية وتوظيف المعرفة والتكنولوجيا، مما يساهم في بناء نظام مائي أكثر مرونة واستدامة في مواجهة التحديات المستقبلية، إذ تعتبر المشاريع الإستراتيجية الكبرى مثل تحلية المياه من الركائز الأساسية لتعزيز الإمدادات المائية، لكنها ليست كافية وحدها لمعالجة الأزمة، حيث يعتمد النظام المائي على مزيج معقد من المياه الجوفية والسطحية والمعالجة، مما يتطلب إدارة مرنة تدمج هذه المصادر ضمن شبكة وطنية قادرة على الاستجابة للتحديات المتزايدة، وفي هذا السياق يتجه التفكير الحديث نحو تعزيز مفهوم “ديمقراطية المياه” التي تضع المجتمع في قلب إدارة الموارد المائية.
التكامل بين المصادر المختلفة
الخبير د. غازي أبو رمان يوضح أن الأردن يضع آمالاً كبيرة على المشاريع الإستراتيجية الكبرى لمواجهة أزمة المياه، وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر، والذي يُعتبر أحد الحلول المستقبلية لتعزيز الإمدادات المائية، حيث أن هذا المشروع لا يأتي بمعزل عن بقية مصادر المياه في المملكة، بل يشكل جزءاً من منظومة مائية معقدة ومتعددة المصادر تشمل المياه الجوفية والسطحية والصرف الصحي المعالجة، ويضيف أبو رمان أن هذه المصادر تواجه تحديات كبيرة، مشيراً إلى أن تطوير قدرات معالجة المياه العادمة يمثل نجاحاً مهماً في قطاع المياه الأردني، حيث تمكنت وزارة المياه والري وسلطة المياه من رفع مستويات المعالجة لمستويات متقدمة، مما يعكس قدرة الوزارة على رفع مستويات المعالجة وفق مواصفة أردنية تضاهي مثيلاتها في دول العالم المتقدمة، ورغم أهمية هذه الحلول التقنية، فإنها تواجه تحديات اقتصادية وتشغيلية كبيرة، أبرزها كلفة الطاقة اللازمة لضخ المياه عبر تضاريس الأردن الصعبة، حيث تشير تقديرات وزارة المياه والري إلى أن تكاليف الطاقة تبلغ 60% من فاتورة المياه المخصصة للشرب، وهو رقم يعكس حجم التحدي الاقتصادي الذي يواجهه القطاع في تأمين المياه للمواطنين.
تبني منهجيات حديثة
الأمين العام الأسبق لوزارة المياه إياد الدحيات يؤكد أن أحد أهم المداخل التي يمكن أن تسهم بتحقيق هذا التكامل تتمثل بتبني منهجيات حديثة في إدارة المعرفة داخل مؤسسات قطاع المياه، مما يسمح بتحويل المعارف المتراكمة إلى أدوات فاعلة لصنع القرار والتخطيط الإستراتيجي، حيث يمتلك قطاع المياه قاعدة واسعة من البيانات والخبرات التي يمكن استثمارها بصورة أفضل إذا ما نُظّمت وأُديرت ضمن إطار مؤسسي واضح، ويشير الدحيات إلى أن تطبيق مفهوم المؤسسة القائمة على المعرفة يتطلب تطوير منظومات متكاملة لإدارة المعرفة المؤسسية في القطاع، بحيث تصبح المعرفة متاحة بسهولة للعاملين وصناع القرار، مما يؤدي إلى تحسين الأداء المؤسسي العام وجودة السياسات المائية المتبعة، كما أن دمج الحلول المتنوعة لمواجهة ندرة المياه في الأردن يتطلب بناء منظومة متكاملة لإدارة المعرفة قادرة على جمع الخبرات والبيانات وتحليلها وتوظيفها في صياغة سياسات فعالة ومستدامة.

