عمان – يتميز الأردن اليوم بقدرته على إدارة أزماته الإقليمية من خلال استراتيجية متوازنة تجمع بين الحذر والانخراط، مما يسهم في الحفاظ على أمنه واستقراره الداخلي ويجعله منصة للاستقرار الإقليمي في بيئة تتسم بالتقلبات والمخاطر العالية حيث يواصل الأردن مواجهة التحديات الجيوسياسية المعقدة عبر سياسة متدرجة تعتمد على الدبلوماسية الحذرة والسياسة الوقائية والاستعدادات الأمنية المتقدمة.
استراتيجية الاحتواء المرحلي
وفق تقديرات خبراء في الشأن السياسي والعسكري، يعتمد الأردن سياسة “الاحتواء المرحلي” في تعاطيه مع الأزمات الإقليمية، حيث يبدأ بمحاولة امتصاص التصعيد ضمن أطر دبلوماسية، ثم يتجه إلى خيارات دبلوماسية وإعلامية عند الحاجة، وصولاً إلى الخيارات الأمنية والعسكرية كملاذ أخير.
التعامل مع التهديدات
تعكس هذه الإستراتيجية قدرة المملكة على التعامل مع التهديدات الإسرائيلية من الغرب والإيرانية من الشرق كحزمة واحدة متكاملة دون الانجرار إلى صراعات جانبية، مما يمنحها هامش مناورة واسع على المستويين الإقليمي والدولي، كما أظهرت التحركات الدبلوماسية الأردنية، بما في ذلك الحشد الإقليمي والدولي، قدرة المملكة على الحفاظ على ثوابتها الوطنية والسيادة المستقلة، وتعزيز مكانتها كوسيط معتدل وفاعل.
تعزيز القدرات الأمنية
وعلى الصعيد الأمني، أكد المختصون أن الأردن عزز منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، ورفع جاهزية القوات البرية، مع تكامل فعال بين مختلف الوحدات العسكرية، مما مكّنه من التصدي للتهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة خلال دقائق معدودة، كما ساهم اعتماد عقيدة “الأمن الوقائي العميق” والقدرات السيبرانية المتقدمة في منع انتقال التهديدات الخارجية إلى الداخل وضمان استقرار الدولة والمجتمع.
التأثيرات الاقتصادية
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد ألقت الحرب الإقليمية بظلالها على قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، مع ارتفاع تكلفة الطاقة والتأمين وأسعار المواد الأساسية، ما استدعى تبني سياسات مالية مرنة وتعزيز الاحتياطيات النقدية ووضع خطط احتياطية للتعامل مع الصدمات بما يضمن استمرار الاستقرار الداخلي وسط تقلبات خارجية متسارعة.
السيناريوهات المحتملة
وحسب تقديراتهم، تتراوح السيناريوهات المحتملة أمام الأردن بين ثلاثة مسارات رئيسة؛ وهي الاحتواء المضبوط أو التصعيد التكتيكي المحدود أو الانفجار الإقليمي الواسع، وشددوا على أن الجبهة الداخلية الأردنية تظل المفتاح المهم في مواجهة أي هزات إقليمية، إذ إن قوة التماسك الاجتماعي واستقلالية القرار السياسي والقدرة على إدارة الموارد الاقتصادية والسياسية تشكل الضمانة الأساسية للحفاظ على التوازن الإستراتيجي للمملكة وتحويل المخاطر الإقليمية إلى أدوات قوة واستقرار.
معادلة الأمن والثوابت
وفي سياق الإجابة عن معادلة التوازن بين الأمن والثوابت، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد أن السياسة الأردنية قامت بالأساس على دبلوماسية هادئة وغير مندفعة، ولم تستند إلى ردود الفعل الآنية، وهو ما شكل أحد أبرز مرتكزات الأداء الدبلوماسي الأردني، وفي سياق التصعيد العسكري في المنطقة، حافظ الأردن على هذا النهج متجنبا الانزلاق إلى مواقف متسرعة ومفضلاً إدارة الأزمة بعقلانية واتزان.
الاحتواء المرحلي
قال أبو زيد إن الأردن اعتمد في تعاطيه مع الأزمات على سياسة “الاحتواء المرحلي”، حيث بدأ بمحاولة امتصاص التصعيد ضمن أطر دبلوماسية، قبل أن ينتقل تدريجيا عند الضرورة إلى ما وصفه بـ”التخشين الدبلوماسي”، وهو ما تجلى في تطور لغة الخطاب الرسمي الأردني، وأضاف أنه إذا استدعت الظروف مزيداً من التصعيد، فقد يذهب إلى “التخشين الإعلامي” في إطار تصاعدي محسوب يعكس التزاما واضحا بمبدأ التدرج والتناسب في الرد.
الرؤية الأردنية للأزمة
وأشار إلى أن الأردن لم يلجأ إلى الخيارات الأمنية أو العسكرية إلا كخيار أخير وبعد استنفاد جميع المسارات الدبلوماسية الممكنة، ما عكس حرصه على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات وحماية جبهته الداخلية من تداعياتها، وبيّن أن الرؤية الأردنية للأزمة الإقليمية قامت على مقاربة شمولية نظرت إلى مجمل التهديدات باعتبارها حزمة واحدة مترابطة دون الاكتفاء بمعالجة كل تهديد على حدة.
تعزيز الجهود الدبلوماسية
وتابع أن عمّان عملت على تكثيف جهود الحشد الدبلوماسي، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، بهدف احتواء التصعيد ومواجهة تداعياته، سواء المرتبطة بالتحركات الإسرائيلية أو الإيرانية، وجدد أبو زيد تأكيده أن هذا النهج منح الدبلوماسية الأردنية طابعا مميزا في إدارة الأزمات، قام على التوازن بين الحذر والانخراط، وبين الثبات والمرونة، مما مكّن الأردن من التعامل مع سيناريوهات متعددة محتملة.
التحديات الرئيسية
وفي ضوء ذلك، تظهر أبرز التحديات التي قد تواجه الأردن في ثلاثة مستويات رئيسة؛ الأول سياسي ويتمثل في الحفاظ على ثوابته في ظل ضغوط المحاور الإقليمية والدولية، والثاني أمني ويتمثل في منع انتقال تداعيات الصراع إلى الداخل، والثالث اقتصادي وتمثل في التعامل مع الانعكاسات غير المباشرة للتوترات، بما في ذلك الضغوط على الموارد وسلاسل الإمداد.
الرهان الأردني
وأكد أن الرهان الأردني يظل قائما على قدرته في الاستمرار بسياسة التدرج والتوازن، وتفعيل أدواته الدبلوماسية، بما يحفظ أمنه الوطني وصون استقراره دون التفريط بثوابته أو الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
أولويات أردنية
وفي تحليله لأولويات الدولة الأردنية، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة أن تصاعد الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أعاد رسم خريطة التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط وفرض على المملكة تحديات أمنية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة.
نهج ثلاثي الركائز
وقال إن الأردن نجح حتى الآن في إدارة هذه المعادلة الصعبة من خلال نهج ثلاثي الركائز جمع بين التفوق الاستخباري الاستباقي والقوة العسكرية متعددة الطبقات والدبلوماسية الفاعلة، وهو ما انعكس عملياً في إحباط ما نسبته 85%-90% من محاولات التسلل والتهريب المرتبطة بشبكات إرهابية وإقليمية.
تعزيز التعاون مع الشركاء
وأشار الدعجة إلى أن زيارات الملك عبدالله الثاني إلى دول الخليج شكلت خطوة إستراتيجية محورية، ولم تكن ذات طابع رمزي، بل مثّلت منصة لتعزيز الثوابت الوطنية وتأكيد الموقف الثابت تجاه القضية الفلسطينية وتوسيع مجالات التعاون السياسي والإستراتيجي والأمني والاستخباراتي مع الشركاء الخليجيين.
تطوير الخطط الاحتياطية
وأضاف أن هذه التحركات وفّرت للأردن مساحة مناورة أوسع على المستويين السياسي والدبلوماسي، وعززت قدرته على صون قراره المستقل وإدارة الضغوط الإقليمية والدولية دون الانخراط في صراعات مباشرة أو الاصطفاف في محاور قد تهدد أمنه الداخلي واستقراره الاجتماعي.
تعزيز الجاهزية العسكرية
وعلى الصعيد العسكري، بيّن أن الأردن عزز منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر ورفع مستوى الجاهزية العملياتية للقوات البرية على الحدود الشمالية والشرقية، مع تحقيق تكامل فعال بين سلاح الجو ووحدات الاستجابة السريعة وأنظمة القيادة والسيطرة.
استراتيجية الأمن الوقائي
وأوضح الدعجة أن الأردن اعتمد على عقيدة “الأمن الوقائي العميق” التي قامت على جمع المعلومات وتحليلها واستباق التهديدات قبل تحولها إلى أزمات، إلى جانب تعزيز القدرات السيبرانية لمواجهة التهديدات التي تستهدف البنية التحتية الرقمية الحيوية.
التنسيق العربي والدولي
وأكد أن هذه الإستراتيجية عكست حالة من اليقظة الدائمة وسرعة الاستجابة، بما حافظ على الاستقرار الداخلي ومنع انتقال التهديدات الخارجية إلى الداخل، أما على المستوى السياسي، فأشار إلى أن الأردن، مدعوماً بالتحركات الملكية نحو دول الخليج، نجح في إدارة توازن دقيق بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والسيادة والقرار المستقل.
التأثيرات الاقتصادية
ولفت الدعجة إلى أن الحرب الإقليمية ألقت بظلال ثقيلة على قطاعات الطاقة والنقل والتجارة والخدمات اللوجستية، حيث ارتفعت تكلفة الطاقة بما يعادل 8%-10% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع زيادة تكاليف الشحن والتأمين بنسبة قد تتجاوز 25%.
تعزيز الاحتياطيات النقدية
وبين أن ذلك فرض على الأردن تبني سياسات مالية واقتصادية مرنة وبناء إستراتيجيات احتياطية لإدارة المخاطر وتعزيز الاحتياطيات النقدية والسيطرة على تقلبات السوق لتفادي أزمات داخلية متزامنة مع الضغوط الخارجية.
تعزيز التحالفات الاستراتيجية
وأكد أن التهديدات الإقليمية لم تعد مقتصرة على البعد العسكري، بل أصبحت متشابكة سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، ما دفع الأردن إلى تعزيز التنسيق العربي والدولي بما شمل تبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الحدود وتوفير الدعم اللوجستي والاقتصادي.
السيناريوهات المحتملة
وفي تقديره للسيناريوهات المحتملة، أوضح الدعجة أنها تراوحت بين ثلاثة مسارات رئيسة، تمثل الأول في “الاحتواء المضبوط”، حيث واصل الأردن أداء دور حاجز الاستقرار القادر على امتصاص الصدمات ومنع انتقال الفوضى، مستندا إلى قدراته الأمنية الاستباقية وقوته العسكرية متعددة الطبقات ودبلوماسيته النشطة.
التصعيد التكتيكي المحدود
أما السيناريو الثاني، فتمثل في “التصعيد التكتيكي المحدود” الذي شمل ارتفاع وتيرة التهديدات الجوية والحدودية وزيادة النشاط الاستخباراتي والعملياتي، ما فرض ضغوطاً إضافية على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
الانفجار الإقليمي الواسع
وفيما يتعلق بالسيناريو الثالث، وهو “الانفجار الإقليمي الواسع”، بين أنه يمثل أعلى درجات التهديد، مع احتمال اندلاع مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل بدعم أميركي مباشر، واستخدام مكثف للصواريخ والطائرات المسيرة والوكلاء الإقليميين.
استجابة شاملة
وتابع أن هذا السيناريو قد يترافق مع اضطراب في أسواق الطاقة العالمية يصل إلى 30% وتعطل في حركة النقل والتجارة الدولية بنسبة تتجاوز 20%، ما يستدعي تنسيقا استثنائيا بين الأبعاد العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية وتعزيز التحالفات ورفع مستويات التأهب.
تحويل التحديات إلى فرص
وجدد الدعجة تأكيده بأن الأردن، من خلال امتلاكه قوة ردع متعددة الطبقات وجهازا أمنيا استباقيا ودبلوماسية نشطة وإستراتيجية سياسية متوازنة مدعومة بالتحركات الملكية، أثبت قدرته على تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص لتعزيز مكانته كدولة مستقرة وفاعلة.
تحليل المشهد
وفي قراءته لطبيعة المرحلة، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات أن المنطقة تواجه تحولات متسارعة ومعطيات غير مستقرة، لا يمكن الركون إليها أو البناء عليها بشكل ثابت، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشكّل نظام أمني إقليمي جديد.
استقلالية القرار السياسي
وقال شنيكات إن قراءة موازين القوة في الحرب الجارية تمثل عاملا حاسما، ما يستدعي من الأردن تحليل المشهد بدقة وواقعية، خاصة في ظل إعلان الأطراف المتصارعة مواقف متصلبة، ما يجعل فرص التوصل إلى تفاهمات محدودة.
تحصين الجبهة الداخلية
وأضاف أن نتائج هذه الحرب، سواء أفرزت طرفا رابحا أو خاسرا، فإن العامل الحاسم بالنسبة للأردن سيبقى في الحفاظ على استقلالية قراره السياسي باعتبارها الضامن الأساسي لحماية مصالحه الوطنية وتفادي أي ارتدادات سلبية محتملة.
التكيف مع مخرجات الصراع
وأوضح أن هذه الاستقلالية تتيح للأردن الحفاظ على “خط رجعة” إستراتيجي يمكنه من التكيف مع مخرجات الصراع أياً كانت، دون الانزلاق إلى مواقف يصعب التراجع عنها.
قوة الجبهة الداخلية
وفيما يتعلق بإدارة التوازن الداخلي، أكد أن الأمن الوطني الأردني يجب أن يبقى فوق كل اعتبار، إلى جانب الأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، مشددا على أن تحصين الجبهة الداخلية يشكل حجر الأساس في قدرة الدولة على التعامل مع تداعيات الأزمات الإقليمية.
استمرارية الدولة
وأوضح أن قوة الجبهة الداخلية لا تمثل مجرد عامل مساعد، بل هي مفتاح الإجابة الحقيقي في إدارة ملفات الإقليم، إذ إن تبني سياسات تستند إلى الواقع الداخلي وتعزز التماسك المجتمعي يمنح الأردن القدرة على امتصاص الصدمات والتكيف مع المتغيرات مهما بلغت حدتها.
الفرصة للحفاظ على التوازن
وشدد على أن الأردن، في ظل هذه البيئة الإقليمية المضطربة، يملك فرصة الحفاظ على توازنه الإستراتيجي إذا واصل الاعتماد على استقلالية قراره وقراءة دقيقة لموازين القوى وتعزيز جبهته الداخلية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بما يضمن استمراريته كدولة مستقرة وقادرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة دون التفريط بمصالحه الوطنية.

