أدان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قيام الجيش الإسرائيلي برش مواد كيميائية على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في جنوبي لبنان وسوريا، حيث اعتبر هذا الاستهداف المتعمد انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويشكل تهديدًا للأمن الغذائي ومقومات الحياة في المناطق المتضررة، ويعكس استمرار سياسة التدمير الممنهج للأراضي الزراعية في المنطقة.
وأكد المرصد أن تدمير الممتلكات الخاصة بهذا النطاق دون ضرورة عسكرية محددة يرقى إلى جريمة حرب، حيث أشار إلى أن هذا الاستهداف يأتي في إطار سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي، والتي شملت إحراق نحو 9 آلاف هكتار خلال العمليات العسكرية الأخيرة باستخدام الفوسفور الأبيض والقنابل الحارقة.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي في بيان له أنه في صباح الأحد 1 فبراير 2026، تلقت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) إخطارًا من الجيش الإسرائيلي يفيد بنيته تنفيذ نشاط جوي قرب الخط الأزرق، مما أدى إلى تعطيل الولاية الأممية، حيث ألغيت أكثر من 10 أنشطة ميدانية وتعذر إجراء الدوريات الاعتيادية على ثلث طول الخط لأكثر من تسع ساعات.
وأشار المرصد إلى أنه خلال فترة التحييد القسري لعمل القوات الدولية، رصد رش طائرات إسرائيلية مواد كيميائية فوق مساحات زراعية واسعة تركزت في منطقة عيتا الشعب ومحيطها جنوبي لبنان، مما ينذر بتبعات كارثية تتجاوز الضرر المباشر للمحاصيل، لتمثل تهديدًا جديًا للصحة والبيئة السليمة عبر التلويث طويل الأمد للتربة والموارد المائية.
كما وثق المرصد الأورومتوسطي رش طائرات إسرائيلية يومي الإثنين والثلاثاء (26 و27 يناير 2026) مبيدات مجهولة التركيب فوق الرقعة الزراعية في ريف القنيطرة جنوبي سوريا، مما تسبب في إتلاف واسع للمحاصيل، وشكل تهديدًا خطيرًا للأمن الاقتصادي والغذائي في المنطقة.
وشدد المرصد على أن خرق السيادة الإقليمية واجتياز الحدود لاستهداف الأراضي الزراعية يشكل بحد ذاته انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي العام، حيث يمثل استخدام مواد كيميائية مجهولة التركيب انتهاكًا جسيمًا مركبًا لقواعد القانون الدولي الإنساني.
كما نبه المرصد إلى أن هذه الممارسات تضع مرتكبيها تحت طائلة المساءلة الجنائية الدولية، إذ يُصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعمد توجيه هجمات ضد الأعيان المدنية كجرائم حرب، مشددًا على أن استخدام مواد كيميائية لتخريب الأراضي الزراعية يمثل ركناً مادياً لهذه الجرائم.
وأعاد المرصد الأورومتوسطي التذكير بأن هذا السلوك يمثل نمطًا عملياتيًا منهجيًا دأبت إسرائيل على تنفيذه لسنوات في المناطق الحدودية لقطاع غزة، حيث استخدمت الرش الجوي لمبيدات كيميائية فتاكة كوسيلة لفرض مناطق عازلة عبر إهلاك الغطاء النباتي وتدمير السلة الغذائية.
وأوضح أنه وثق في حينه مثل هذه الاعتداءات، مستندًا إلى أرشيف توثيقي شامل، مدعوم بنتائج تحليلات مخبرية وشهادات خبراء، أثبتت أن المواد المستخدمة ليست مجرد مبيدات زراعية تقليدية، بل مركبات كيميائية ذات سميّة عالية وأثر تدميري غير قابل للاحتواء.
وأكدت النتائج أن ضرر هذه المواد يتجاوز إتلاف المحاصيل الموسمية، حيث يتسبب في تسميم طويل الأمد للتربة والمياه الجوفية، والإضرار بالثروة الحيوانية، مما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية البيئية واستحالة استعادة النشاط الزراعي.
ويؤكد المرصد الأورومتوسطي أن هذه الوقائع عند قراءتها في سياق الاستهداف العسكري المتواصل للأراضي الزراعية تكشف عن سياسة تدمير منهجية تتجاوز الأهداف العسكرية، حيث يهدف هذا النهج إلى تحويل المناطق الزراعية إلى أراض غير قابلة للحياة.
وطالب الأورومتوسطي المجتمع الدولي، وتحديدًا الأمم المتحدة، بالتحرك الفوري لتشكيل لجنة تحقيق فنية مستقلة لتقصي الحقائق، بحيث تتولى جمع عينات من التربة والمحاصيل المتضررة في جنوب لبنان وريف القنيطرة، وإخضاعها لتحليلات مخبرية دقيقة لتحديد الماهية الكيميائية للمواد المستخدمة.
كما حث الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف على تحمل مسؤولياتها القانونية عبر فتح تحقيقات جنائية وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في إصدار أوامر تدمير البيئة واستخدام أسلحة ذات أثر عشوائي، باعتبار أن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لا تسقط بالتقادم.
ودعا المرصد الأورومتوسطي مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار ملزم يدين الجرائم الخطيرة التي تنتهجها إسرائيل، ويعتبر عرقلة عمل قوات “اليونيفيل” خرقًا فاضحًا للقرار 1701، مشددًا على ضرورة ضمان حق المزارعين وأصحاب الأراضي في الحصول على تعويضات عادلة عن الخسائر الاقتصادية والبيئية.
كما دعا الحكومتين اللبنانية والسورية إلى إيداع إعلان رسمي لدى قلم المحكمة الجنائية الدولية لمنح المحكمة الولاية القضائية اللازمة للنظر في الجرائم المرتكبة فوق أراضيهما، مؤكدًا أن هذا الإجراء بات ضرورة ملحة لقطع الطريق أمام استمرار سياسة الإفلات من العقاب.

