يمثل التحالف السني الثلاثي، إذا ما تجاوز عتبة البروتوكولات السياسية، تموضعًا إقليميًا جديدًا قد يؤثر على خريطة التحالفات في المنطقة، حيث تمتلك الدول الثلاث قدرات تكاملية ملحوظة في مجالات الاقتصاد والسياسة والعسكرية، إضافة إلى البعد الأيديولوجي الذي يتمثل في كونها أكبر مكون ديني في العالم الإسلامي، مما يتيح لهذا التحالف إمكانية التأثير على المستوى الإقليمي والعالمي إذا تحولت النوايا إلى أفعال حقيقية، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحالف ناتجًا عن ضرورة استراتيجية وتحول بنيوي في التعامل مع قضايا المنطقة أو مجرد مناورة سياسية ذات أهداف محدودة تنتهي بانتهاء مكاسبها الآنية
التغيير في الشرق الأوسط، كما يرى محلل السياسة الخارجية الأمريكي توماس فريدمان، قادم لا محالة سواء بالقوة كما يؤمن الرئيس ترامب أو من خلال مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث تنطلق استراتيجية الأمن الإسرائيلية من فرضية أن أي تغيير في الشرق الأوسط يجب أن يصب في صالح إسرائيل على المدى البعيد من خلال تفكيك الدول الكبرى أو ضبط إيقاع الدول الصغيرة بما يتناسب مع ميزان التفوق الإسرائيلي
تركيا، التي تمتلك ثاني أقوى جيش في حلف الناتو، تبرز كفاعل نشط في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، ومنذ تولي الرئيس أردوغان السلطة تسعى إلى تعزيز عمقها الإسلامي العربي خاصة بعد إخفاقها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومن الناحية الاقتصادية ترى تركيا أن البعد العربي والإسلامي قد يوفر لقطاعها الصناعي العسكري والمدني أسواقًا مربحة لا يمكن الاستغناء عنها، حيث توجه العديد من المستهلكين في العالم العربي نحو المنتجات التركية بعد مقاطعة المنتجات الغربية بسبب حرب غزة
في هذا السياق، تجري تركيا محادثات مع السعودية وباكستان للانضمام إلى تحالف الدولتين، حيث ترى تركيا أن فرص تحول هذا التعاون إلى حلف إسلامي قوي تمثل فرصة لمعادلة التوازنات الأمنية المختلة في المنطقة
تلخص التحولات الجديدة مقولة الرئيس التركي “إذا لم تكن على الطاولة فقد تكون أنت قائمة الطعام”، حيث تتجاوز هذه النظرة الواقعية الحسابات الجغرافية إلى أبعاد أخرى تفرضها الظروف على المنطقة، مما يجعل التحالفات بين هذه الدول أقرب وأكثر تأثيرًا، حيث أوجدت الحرب في غزة أرضية مشتركة للدول المتقاربة في سياساتها لمواجهة التهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن تغيير عميق في الشرق الأوسط، مما زاد النقاش حول طبيعة هذا التغيير وحدوده والمتأثرين فيه
بالنسبة للسعودية، فهي الدولة العربية الوحيدة في مجموعة العشرين الاقتصادية (G20) وتدرك أن دورها في المنطقة يتعاظم مع تراجع سياسة القطب الواحد الدولية لصالح أقطاب إقليمية تؤثر في سياسات المنطقة، حيث إن هذا الصعود الناعم قد يخلق للسعودية أعداء يسعون إلى تقويض نفوذها وضربها في المجال الأمني والاقتصادي والعسكري، حيث جاء السعي الإسرائيلي الحثيث لتطبيع العلاقات مع السعودية بسبب إدراك إسرائيل للوزن النوعي للمملكة في العالم الإسلامي السني، ولكنه اصطدم بمطالب سعودية أقرب إلى الرفض منها إلى القبول، مما أعاد مسألة أن السعودية ليست صديقًا وإنما قد تتحول إلى عدو شرس للسياسات الإسرائيلية التقسيمية
يمثل التحالف السعودي الباكستاني استقراء استراتيجي وتصورًا أمنيًا لمرحلة قادمة من التحولات والتحالفات الإقليمية والدولية، حيث يمتلك البلدان تاريخًا مشتركًا من العلاقات الأمنية والسياسية توج بآخرها بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك نقلت العلاقة إلى مستوى أعمق، وتعد باكستان الدولة الإسلامية النووية الوحيدة في العالم وتمتلك جيشًا يعتبر من الأقوى في المنطقة من حيث الاحتراف والجاهزية، وقد برز هذا الدور في المواجهة الأخيرة مع الهند حيث تمكن الجيش الباكستاني من تحقيق انتصارات مهمة
تحتاج باكستان أيضًا إلى تحالف مع السعودية لموارد الأخيرة الاقتصادية الداعمة للاقتصاد الباكستاني، وكذلك للمساهمة في موازنة علاقاتها مع الهند والصين، حيث تمتلك السعودية علاقات جيدة مع كلتا الدولتين، وقد بدأ هذا التعاون يأخذ أبعادًا عملية، حيث تحول ما قيمته 2 مليار دولار من الديون السعودية على باكستان إلى تمويل برنامج لإنتاج صواريخ JF-17C Block IIIc، وهي صواريخ صينية الصنع أثبتت موثوقيتها في الحرب الأخيرة بين باكستان والهند
يمكن لهذه الدول الثلاث أن تتعاون بشكل أكبر في مجال التعاون العسكري والتصنيع الحربي، حيث قطعت تركيا شوطًا طويلًا في هذا المجال، بينما تتابع السعودية بخطى متسارعة، كما يمكن لهذه الدول رفع مستويات التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف إلى مستوى محلي وعالمي يخدم المصالح المشتركة، حيث تبرز الحاجة إلى هذا التحالف للتدخل في القضايا الإسلامية والمحلية المشتركة التي تشكل تهديدًا استراتيجيًا لهذه الدول وغيرها من الدول العربية والإسلامية مثل قضية فلسطين وكشمير والإرهاب والأزمات الإقليمية، كما يمكن لهذه الدول بفضل موقعها الجيوسياسي المتميز السيطرة على خطوط الإمداد البحرية وضمان حرية الملاحة في المضائق والبيئات البحرية المختلفة وتشكيل قوات تدخل بحرية تساعد في إدامة خطوط النقل العالمية
رغم الفوائد المحتملة لهذا التحالف، إلا أن هناك معوقات بنيوية، أبرزها أن لكل دولة من هذه الدول علاقات متشابكة مع دول أخرى ومتعارضة مع بعضها البعض، حيث تتمتع باكستان بعلاقات قوية مع روسيا والصين، وهاتان الدولتان لديهما خصومة سياسية واضحة مع الولايات المتحدة، كما أن للسعودية تحالفًا قويًا وتاريخيًا مع الولايات المتحدة المعادية للصين، كما قد تنظر قوى كبرى مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا بحساسية لتشكيل تحالف إسلامي متجانس عقائديًا ومتكامل اقتصاديًا وسياسيًا، مما قد يجعل هذه الدول مثل الهند والصين وأميركا وروسيا ترى فيه تهديدًا لمصالحها الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط، بينما تدرك إسرائيل أن تشكيل هذا التحالف وتركه ينمو سيكون موجهًا ضدها، حيث انتهجت سياسة منع قيام تحالفات في المنطقة لا تكون جزءًا منها، كما أن هذا التحالف يحتاج إلى إطار تشريعي وقانوني بين هذه الدول، وهو ما لم يحدث بعد، مما يشير إلى أن تلك الدول ما تزال تقيم حسابات الآخرين ضدها وترصد ردود الفعل وما إذا كانت ستؤثر على تحالفاتها القائمة الأخرى
تطرح هذه المعطيات تساؤلات حول ما إذا كان التحالف استجابة لظروف طارئة لتحقيق مكاسب في مواقع أخرى وليس الهدف منه الاستمرارية، وما هي مؤشرات الاستدامة مقابل مؤشرات الهشاشة، حيث أثبت تاريخ التحالفات العربية البينية والإسلامية أن هذه التحالفات لم تتجاوز البعد البروتوكولي، وأن كل الدول لديها تحالفاتها الخاصة مع الدول الكبرى التي تمنع تحول أي تجمع عربي أو إسلامي إلى حلف يمكن أن يهدد توازنات القوى في المنطقة أو التفوق الإسرائيلي، ولكن بالنظر إلى أن الثابت الوحيد في هذه المنطقة هو التغيير المستمر، وبناءً على نظرية صعود وأفول الأمم، فإن الناظر إلى منطقة الشرق الأوسط يدرك أن حدود سايكس بيكو يمكن أن تتغير وأن الحدود الجغرافية للدول لم تعد حدود التغيير أو التحالفات، حيث تطور دول المنطقة قدرات أمنية وعسكرية كبيرة كالسعودية وتركيا وباكستان، ويعزز ذلك تقدم اقتصادي وحوكمة رشيدة واهتمام متزايد بالتقنيات الحديثة الناشئة
يمثل التمدد الإسرائيلي في المنطقة خوفًا من أن هذا التحول لا تستطيع مقاومته كل دولة منفردة، وإنما تحتاج إلى تحالف، بالإضافة إلى ما تقدم من عوامل، فإن الانغماس الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد أولوية للقطب الأمريكي الذي أعطى أهمية كبرى للغرب الأمريكي ومكافحة النفوذ الصيني على حساب أقاليم أخرى، ومع ذلك لا يمكن الجزم في هذه المرحلة بأن التحالفات من هذا النوع، حتى وإن تمت، تستطيع أن تعمل باستقلالية بعيدًا عن توجهات الدول الكبرى، مما قد يكون سبب التريث التركي في التوقيع على حلف بهذا المستوى حتى تستبين حدوده وإمكانياته والقدرة والاستقلالية التي يمكن له التحرك بها.
* مركز الدراسات الإستراتيجية.

