عمان- يواجه الأردن تحديات متعددة في مجال الأمن المائي المنزلي، حيث رغم تحقيق مستويات عالية من الربط على شبكات المياه، إلا أن قضايا استمرارية التزويد وتكاليف الخدمة لا تزال بحاجة إلى معالجة متوازنة، ومع تزايد موجات الحر خلال الصيف، تبرز أهمية المياه كعنصر أساسي للتكيف الحضري، مما يجعل السياسات المتعلقة بالتسعير وتنظيم التزويد وتنفيذ مشاريع مصادر جديدة مترابطة لتعزيز الأمن المائي المنزلي، ويعتمد نجاح هذه السياسات على قدرتها على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية وحماية الفئات الأكثر حاجة لضمان استقرار معيشي أفضل في المدن الأردنية.

تقرير دولي حول الأمن المائي

في هذا السياق، أظهر تقرير دولي بعنوان “أمن المياه.. خط الدفاع الخفي للمدن في مواجهة موجات الحر الشديد” والصادر عن المجلة العلمية المتخصصة “نيتشر” أن العدالة المناخية والحرارية ترتبطان بضمان أمن المياه للأسر، مما يجعل الحالة الأردنية نموذجاً لتطبيق هذا التحدي، ومع تحول المياه إلى أداة يومية للحماية الصحية في المدن، يتضح أن تعزيز الأمن المائي المنزلي يتطلب سياسات متكاملة توازن بين استدامة القطاع وحماية الفئات الأكثر حاجة.

تحديات الأمن المائي المنزلي

أكد خبراء في قطاع المياه أن الأمن المائي المنزلي في الأردن يشهد تقدماً في بعض الجوانب ويواجه تحديات في جوانب أخرى، خاصة ما يتعلق باستمرارية التزويد وتكاليف الخدمة الفعلية، حيث تزداد أهمية تبني سياسات متكاملة تعزز الانتظام وتحسن الكفاءة وتضمن وصولاً آمناً ومستقراً وميسور التكلفة للمياه، مما يدعم قدرة الأسر على التكيف مع واقع مناخي متغير، وبحسب قراءاتهم، فإن تقييم الأمن المائي المنزلي لا يقتصر على نسب الربط على الشبكات، بل يمتد ليشمل انتظام التزويد وكفاية الكميات وجودة المياه ومدى ميسورية كلفتها للأسر، وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الأردن حقق تقدماً ملحوظاً بتوسيع نطاق الوصول لشبكات المياه، بينما لا تزال استمرارية التزويد تحدياً في عدة مناطق، مما يستدعي إدارة دقيقة ومتوازنة لهذا المورد الحيوي.

مشاريع التزويد المستقبلية

فيما يتعلق بمشاريع التزويد المستقبلية، بما في ذلك التحلية والنقل المائي، يُنظر إليها كمكونات استراتيجية لتعزيز الإمدادات وزيادة كميات التزويد على المديين المتوسط والطويل، وفي هذا السياق، أوضح الأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري باسم طلفاح أن تسعيرة الصرف الصحي في المملكة ارتبطت بتسعيرة المياه، في ظل عدم توافر عدادات تقيس كميات مياه الصرف الصحي الخارجة من المنازل، حيث كانت قيمة الصرف الصحي تشكل عادة 40% من إجمالي فاتورة المياه التي صدرت للمواطن، اعتماداً على كمية المياه المستهلكة والشريحة التي وقع ضمنها الاستهلاك، وأشار طلفاح إلى أن اعتماد التزويد المتقطع للمياه مرة واحدة أسبوعياً أو أقل جعل الأسر تتحمل بنفسها إدارة المخاطر المرتبطة بالمياه عبر التخزين والضخ واللجوء للصهاريج، مما انعكس بشكل أكبر على الفئات الهشة وذات الدخل المحدود.

إحصائيات حول تزويد المياه

واستشهد بوثيقة رسمية صادرة عن وزارة المياه بعنوان “حقائق وأرقام لقطاع المياه”، حيث بينت أن 50.3% من السكان كانت المياه تصلهم طوال 24 ساعة أسبوعياً أو أقل، بينما كانت تصل لـ49.7% لمدة تراوحت بين 24 و48 ساعة أسبوعياً، مما يعكس أن التزويد المتقطع كان واقعاً واسعاً شمل معظم مناطق المملكة، بل إن بعض المحافظات لم تصلها المياه إلا مرة كل أسبوعين أو ثلاثة، وأكد طلفاح أن معاناة الأسر كانت تتضاعف في حالات العائلات الممتدة، خصوصاً الفقيرة منها، التي كانت تتزود من عداد مياه واحد يغذي عمارة تضم عدة شقق، مما رفع قيمة الفاتورة بشكل كبير وزاد من أعبائها المعيشية.

معايير الميسورية

وفيما يتعلق بقدرة التحمل أو الميسورية، بين طلفاح أن المعايير العالمية كانت تقيس هذه الميسورية بألا تتجاوز كلفتها 3% من دخل الأسرة، أو 3 إلى 5% عند احتساب المياه مع الصرف الصحي، مؤكداً أن القضية الجوهرية لم تكن متوسط الدخل في المملكة، بل حجم العبء الواقع على الشرائح الأقل دخلاً، وأشار إلى أن هذا العبء كان يزداد نتيجة التزويد المتقطع، حيث تحملت الأسر كلفاً إضافية مثل كلفة الضخ والكهرباء لتشغيل الخزانات العلوية وكلف التخزين والصيانة والتعقيم وشراء المياه من الصهاريج عند الانقطاعات، وأوضح طلفاح أن الحكومة أقرت إعادة هيكلة تعرفة المياه والصرف الصحي بين الأعوام 2023 و2029، وتضمنت رفعاً تدريجياً للتعرفة استعداداً لاستقبال مياه مشروع الناقل الوطني، والتحول للفوترة الشهرية وبدء تطبيق الأثر على فواتير كانون الثاني العام الماضي، حيث كانت التعرفة تصاعدية بشرائح، مع الإبقاء على الشريحة الأولى من صفر إلى 6 م3 شهرياً دون تغيير في العام الماضي.

الضغط على الخدمة وعدالة التوزيع

وفي ملف المياه غير المفوترة، أكد طلفاح أن الفاقد المائي شكل ضغطاً كبيراً على الخدمة وعدالة التوزيع، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الوطنية أشارت إلى أن نسبة الفاقد بلغت 58% في العام 2021، مضيفاً أن مؤشرات رسمية جرى تداولها إعلامياً أشارت لانخفاض الفاقد إلى 46.5% بين العامين 2023 و2024، وإذا صح هذا الانخفاض واستمر، فإنه يشكل مكسباً مباشراً للأمن المائي المنزلي لارتفاع الكميات المتاحة فعلياً دون الحاجة لمصادر جديدة، وفي سياق تأثير التغير المناخي، أوضح أن موجات الحر المزمنة زادت العبء على الأسر، وخصوصاً الهشة منها، إذ ارتفع الطلب اليومي على المياه على نحو ملحوظ صيفاً، مستنداً بذلك لأرقام شركة “مياهنا” التي أشارت إلى أن الطلب صيفاً يرتفع بنسبة 20% مقارنة بمتوسط الطلب السنوي، نتيجة زيادة الحاجة للمياه لأغراض الشرب والاستحمام والتنظيف.

تأثير موجات الحر

وبين أن استمرار التزويد المتقطع دفع الأسر لتخزين كميات أكبر وتشغيل المضخات لفترات أطول، مما رفع كلفة الكهرباء والصيانة، لافتاً إلى أن الأسر ذات الدخل المحدود كانت غالباً تسكن شققاً أصغر وأكثر كثافة سكانية، ولم تكن تملك خزانات أو مضخات جيدة، مما اضطرها عند انخفاض الضغط أو الانقطاع لشراء المياه من الصهاريج، مما خلق سعراً فعلياً للمتر المكعب أعلى بكثير من التعرفة الرسمية، إضافة إلى تفاوت في الجودة، وأشار طلفاح إلى أن موجات الحر الشديد في المنطقة، ومنها الأردن، سجلت أرقاماً قياسية حتى في ساعات الليل، مما زاد الحاجة للتبريد والنظافة وقلل قدرة الجسم على التعافي، مؤكداً أن انقطاع المياه في هذه الظروف كان أشد أثراً من الناحية الصحية والاجتماعية، ونوه الأمين العام الأسبق لوزارة المياه إلى أنه برغم أن الأردن حقق وصولاً واسعاً للمياه من حيث التغطية، إلا أن الأمن المائي المنزلي بمعنى الوصول الآمن والمستقر والميسور ظل هاشاً لدى شريحة كبيرة من الأسر بسبب التزويد المتقطع وارتفاع الكلف غير المباشرة مثل التخزين والضخ وشراء الصهاريج.

الاستعداد لمستقبل ضاغط

ومع تصاعد موجات الحر، أصبحت المياه جزءاً أساسياً من التكيف اليومي المرتبط بالشرب والاستحمام والتنظيف والتبريد، مما جعل أي انقطاع أو ضعف في التزويد يتحول بسرعة إلى مخاطر صحية واجتماعية، خاصة في الأحياء الأعلى كثافة والأقل دخلاً، حيث كانت الحاجة تتركز على حماية حصة أساسية من المياه بسعر ميسور وتقليل الفاقد وتحسين انتظام التزويد مع ضمان ألا تنعكس كلفة مشاريع التزويد الكبرى المستقبلية على الفئات الهشة.

قراءة في واقع الأمن المائي

وفي قراءة للأمين العام الأسبق لوزارة المياه والري إياد الدحيات لواقع الأمن المائي المنزلي في الأردن، برزت مفارقة واضحة بين ارتفاع نسبة الربط على شبكات المياه وتراجع مستوى التزويد الفعلي، خاصة في ظل تصاعد موجات الحر الشديد وتحول المياه إلى عنصر أساسي للتكيف اليومي، مع ما يعرف بالحر المزمن في المدن، وأشار الدحيات إلى أنه برغم أن نسبة الربط على شبكات المياه وصلت إلى 98% من السكان، وهي من أعلى النسب في المنطقة، إلا أن هذا المؤشر لم يعكس بالضرورة مستوى الأمن المائي المنزلي، موضحاً أن كميات المياه التي جرى تزويدها أسبوعياً بما فيها حصة الفرد شهدت تناقصاً مستمراً في السنوات السابقة، مما أثر بشكل مباشر على نوعية الحياة للأسر كافة.

عبء اقتصادي إضافي

ولم يقتصر هذا التراجع على البعد الخدمي فقط، بل امتد ليشكل عبئاً اقتصادياً إضافياً على الأسر، إذ لفت الدحيات إلى أن هذا الواقع استنزف جزءاً أكبر من دخل الأسرة الشهري لتعويض النقص من مصادر بديلة مثل شراء المياه من الصهاريج أو زيادة استهلاك المياه المعبأة، مؤكداً أن هذه الكلفة كانت أشد وطأة على الفئات ذات الدخل المحدود التي وجدت نفسها أكثر هشاشة في مواجهة فترات الحر الطويلة والانقطاعات المتكررة للمياه، ورأى الدحيات أن الأمن المائي المنزلي لم يكن قابلاً للقياس فقط بنسبة الربط، بل قام على منظومة متكاملة من العوامل المتداخلة، فالأمن المائي المنزلي اعتمد على عوامل كان يجب أن تعمل بتناغم وتضمن وصول المياه بكميات كافية ومنتظمة وفق أفضل مؤشرات الأداء وتضمن قدرة الأسرة على تحمل كلفتها الشهرية وفق تسعيرة المياه المعتمدة.

زيادة كميات التزويد المائي

ووضع الدحيات في مقدمة هذه العوامل ضرورة زيادة كميات التزويد المائي وحصة الفرد المخصصة للاستهلاك المنزلي، مشيراً إلى أن تحقيق ذلك يتطلب التوسع بمشاريع مصادر المياه غير التقليدية، وأوضح أن إنشاء مشاريع اعتمدت تكنولوجيات متقدمة بإنتاج المياه مثل تحلية مياه البحر أو المياه الجوفية المالحة ذات الحرارة العالية أصبح ضرورياً، برغم ما حملته هذه المشاريع من كلف رأسمالية وتشغيلية مرتفعة فاقت كلف المشاريع القائمة على المصادر التقليدية من المياه الجوفية والسطحية، مما شكل ضغطاً إضافياً على الموارد المالية للحكومة، غير أن الدحيات شدد على أن تنفيذ هذه المشاريع حقق أثراً اجتماعياً واقتصادياً مباشراً تمثل بتقليل اعتماد الأسر على مصادر المياه البديلة الأعلى كلفة، مبيناً أن أسعار مياه الصهاريج والعبوات بلغ معدلها 3 دنانير/ م3 مقارنة بسعر المياه المنزلية من الشبكة البالغ ديناراً واحداً/ م3، مما أتاح للأسر توفير جزء من دخلها الشهري المخصص للمياه وإعادة توجيهه لتلبية أولويات معيشية أخرى.

سياسات تسعير المياه

وعلى صعيد السياسات، أكد الدحيات أن سياسة تسعير المياه شكلت ركناً أساسياً بتعزيز الأمن المائي المنزلي والتكيف مع شح الموارد، فسياسة تسعير المياه كان يجب إعادة توجيه الدعم فيها لمستحقيه باعتماد آليات دعم نقدي مباشر للفئات الأقل دخلاً سواء عبر صندوق المعونة الوطني أو عبر منصة مخصصة لتعرفة المياه المدعومة، ورأى أن هذا التوجه لم يسهم فقط بحماية الأسر الهشة، بل عزز أيضاً الاستدامة المالية لقطاع المياه ومكنه من تنفيذ مشاريع مصادر المياه غير التقليدية وتقديم الخدمات المطلوبة بالشكل الأمثل، كما برزت أهمية وجود إطار رقابي مستقل لضمان جودة الخدمات واستمراريتها، مشدداً على أهمية وجود جهة رقابية مستقلة عملت كطرف ثالث واعتمدت مؤشرات أداء لقياس كفاءة التزويد المائي وجودة الخدمات بما شمل كفاية كميات المياه وحصة الفرد واستمرارية التزويد ومستوى رضا المشتركين، وإتاحة قنوات فاعلة للتغذية الراجعة والتحسين المستمر في شركات المياه الحكومية.

التخطيط العادل للتوزيع المائي

وفي إطار الاستعداد لمستقبل قد يشهد ضغوطاً مناخية متزايدة، دعا الدحيات للتخطيط العادل للتوزيع المائي وطنياً عبر البدء بإعداد خريطة مائية للمحافظات كافة تضمنت خططاً واضحة لتحسين التزويد المائي ومستهدفات محددة لزيادة حصة الفرد من المياه المنزلية، وربط ذلك بتنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى وعلى رأسها الناقل الوطني أو أي مشاريع داخلية أو إقليمية لتطوير مصادر المياه، على أن ترافقت مع إعادة تخصيص عادل للمصادر بين المحافظات لضمان استفادة مناطق المملكة من الكميات الإضافية، مشدداً على أن تحقيق الأمن المائي المنزلي لم يعد خياراً مؤجلاً بل ضرورة ملحة لتمكين الأسر، خاصة الأكثر هشاشة من التكيف مع واقع الحر المزمن المتصاعد والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي في المدن.

تحديات تحقيق الأمن المائي

وفي تقييمها لواقع الأمن المائي المنزلي في الأردن، رأت الخبيرة الأردنية في دبلوماسية المياه ميسون الزعبي أن المملكة واجهت تحديات كبيرة لتحقيق استقرار مائي منزلي في وقت ازدادت فيه موجات الحر الشديد ضغطاً على الموارد المائية المحدودة، وأشارت إلى أن هذه الموجات أرهقت منظومة التزويد على نحو كبير، مؤكدة أن توفير مياه آمنة وبأسعار معقولة، لا سيما للفئات الأكثر ضعفا، تطلب تحولا حقيقياً من إدارة الأزمات للاستثمار التكنولوجي والحلول المبتكرة، برغم الجهود الحكومية لتحسين البنية التحتية وتعزيز القدرة على الصمود.

الإدارة الفعالة للمياه المنزلية

وأكدت الزعبي أن توافر كميات كافية من المياه بجودة مقبولة ركن أساس من أركان الأمن المائي المنزلي، لا سيما في ظل التحديات السكانية المتزايدة، فالإدارة الفعالة للمياه المنزلية باتت ضرورة للصحة العامة والاستدامة، معتبرة أن استمرار الاعتماد على الحلول التقليدية لم يعد كافياً في مواجهة الضغوط المناخية المتصاعدة، ورأت الزعبي أن تحقيق أمن مائي منزلي مستدام يضمن وصولاً آمناً ومستقراً وبأسعار معقولة يتطلب حزمة دمج حلول متكاملة، مشيرة إلى أن هذه الحلول تشمل تجميع مياه الأمطار كخيار غير مكلف واستخدام المرشحات وأنظمة معالجة المياه المنزلية لضمان جودتها وتركيب أجهزة ترشيد استهلاك للمياه، موضحة أن هذه التدابير أسهمت بضمان استمرارية الإمداد وتقليل الكلف على المدى الطويل.

استراتيجيات تجميع مياه الأمطار

وأوضحت الزعبي أن تبني استراتيجية وطنية متكاملة يرتكز على عدة محاور أساسية، في مقدمتها ضمان الاستقرار والاستمرارية بتجميع مياه الأمطار، فأنشاء آبار تجميع مياه للأمطار ضرورة استراتيجية للمنازل، لافتة إلى أن وزارة المياه أصدرت تعليمات هدفت لتعظيم الاستفادة من مياه الأمطار، وبينت الزعبي أن التجميع تحقق عبر أنظمة تصريف مياه الأسطح وتوجيهها لخزانات تحت الأرض أو براميل مخصصة، مما وفر مصدراً إضافياً ومجانياً للمياه، مؤكدة أهمية ترشيد الاستهلاك، معتبرة إياه أحد أهم أعمدة الأمن المائي المنزلي، فتركيب أجهزة موفرة للمياه مثل رؤوس الدش الموفرة ومهويات الصنابير أسهم بتقليل فاقد المياه على نحو ملحوظ.

الاستثمار في الابتكارات النوعية

وتابعت الزعبي أن تغيير العادات اليومية لعب دوراً لا يقل أهمية، حيث وفر إغلاق الصنبور أثناء تنظيف الأسنان نحو 1.5 لتر في كل مرة، وخفض تقليل وقت الاستحمام 5 دقائق بنحو 40 لتراً، فيما وفر غسل السيارات باستخدام الدلو بدلاً من الخرطوم 170 لتراً لكل غسلة، وبشأن الفئات الأكثر هشاشة، رأت الزعبي أن تحقيق الأمن المائي المستدام تطلب الانتقال من الحلول الطارئة إلى الاستثمار في ابتكارات نوعية، مبينة أن الاستثمار في مولدات المياه الجوية وتقنيات التحلية وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي بات خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، إذ إن هذه الحلول اعتمدت على الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات وأنظمة الاستشعار الذكية، بما خفض كلف التشغيل والنقل وعزز كفاءة إدارة الموارد.

الحلول التكنولوجية

وأشارت الزعبي إلى أن من أبرز الحلول التكنولوجية التي برزت؛ توليد المياه من الهواء، ووصفتها بأنها حل واعد ومستدام للمناطق القاحلة والنائية، إذ استخلصت الرطوبة من الهواء وحولتها لمياه شرب نقية، مما خفض كلف النقل وقضى على مخاطر تلوث المصادر التقليدية وأمن مصدراً لامركزياً للمياه، مضيفة أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة البيانات أسهم بمراقبة الشبكات وتقليل الفاقد وتطوير تقنيات تحلية المياه وإعادة التدوير وتبني حلول التكنولوجيا المنزلية المانعة للتسرب.

التحديات الاقتصادية

كما حذرت من أن الجمع بين كلفة الاستثمار المرتفعة في البنية التحتية وسياسات التعرفة المتزايدة وانقطاعات الإمداد شكل عبئاً مضاعفاً على الفئات الأكثر ضعفاً، موضحة أن الأسر ذات الدخل المنخفض وجدت نفسها مضطرة لدفع المزيد مقابل خدمات مياه أقل جودة وموثوقية، مشيرة إلى أن ارتفاع التعرفة لتغطية كلف المشاريع الجديدة قلص قدرة هذه الأسر على تحمل النفقات ودفع بعضها لتقليل استهلاكها الأساسي للمياه لأغراض النظافة والصحة، وتطرقت الزعبي إلى الناقل الوطني، موضحة أن الحكومة سعت لتأمين تمويله، ويتوقع أن يحدث نقلة نوعية عبر تحلية 300 مليون م3 من مياه البحر سنوياً من خليج العقبة، مؤكدة أن قطاع المياه في الأردن وقف عند مفترق طرق حاسم، إذ بات تطبيق إصلاحات عادلة وقابلة للتنفيذ سياسياً أمراً لا مفر منه.

ضرورة إصلاحات شاملة

وأضافت أن الاستفادة من تجارب دول أخرى وتعزيز الشفافية وتقديم الدعم الموجه وتنفيذ التغيير التدريجي شكلت عناصر أساسية لرسم مسار مستدام نحو الأمن المائي، مشيرة إلى أن سياسات تسعير المياه إلى جانب ارتفاع كلف البنية التحتية والانقطاعات، ما خلق عبء فقر المياه الذي أثر على نحو غير متناسب على الفئات الأكثر هشاشة، وبينت الزعبي أن الإيرادات المتحققة من التعرفة بقيت دون هدف الحكومة باسترداد الكلف بحلول العام 2030، مما استدعى إصلاحات شاملة للدعم لضمان مسار مستدام وقابل للتطبيق، لافتة إلى أن إصلاحات التسعير نجحت فقط عندما فهم المواطنون أسبابها، موضحة أن شرح كلف النظام الحالي وبيان كيف ستحسن الإصلاحات الخدمات أسهم بكسب ثقة الجمهور، وأكدت ضرورة ربط إصلاح الدعم بتحويلات نقدية مباشرة لحماية الأسر ذات الدخل المحدود، مشيرة إلى أن صندوق المعونة الوطنية وفر أداة فعالة لدعم أكثر استهدافاً، وأن الزيادات التدريجية في الأسعار منحت المواطنين وقتاً للتكيف وخففت من آثار الإصلاح.