مع التطور السريع في المنظومات الاستخباراتية والدفاعية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ووضوح مسارح العمليات، لم تعد الدروس المستفادة من الحروب تقتصر على ما بعد انتهاء النزاعات، بل أصبحت عملية مستمرة ترافق مجريات الصراع العسكري لحظة بلحظة كما يتضح من الحرب الحالية في إيران التي تعكس هذا التحول بشكل واضح، خاصة في توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات الاستخباراتية والعسكرية من خلال منظومة استخباراتية رقمية متكاملة.

استخدام المنصات المتقدمة

في هذا السياق، تم استخدام منصات متطورة لتحليل المعلومات ودمجها، من أبرزها (Claude) لتحليل البيانات و(Palantir Gotham) لدمجها وتحويلها إلى منظومات قيادة وتحكم تعمل كعقل مركزي لإدارة المعركة، وتشير التقارير إلى أن إسرائيل تمكنت من اختراق كاميرات الشوارع (CCTV) في بعض مناطق طهران وأصفهان وربطها بأنظمة ذكية لتحليل البيانات، ورغم الفارق الكبير في الأدوات والتقنيات، فإن هذا النموذج يعيد إحياء مفهوم استخباراتي قديم عُرف تاريخيًا باسم “عيون المدينة”، وهو نظام استخباراتي استخدمته الدولة الفاطمية من خلال تجنيد أصحاب الحانات والدكاكين والباعة المتجولين لرصد الحياة اليومية داخل المدن.

استهداف القادة

أما بالنسبة لعمليات استهداف القادة، فقد بدأت بخطوات تمهيدية تضمنت تعطيل الاتصالات وشبكة الإنترنت، بالإضافة إلى السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي بهدف التشويش على أنظمة الدفاع الجوي، بعد ذلك تم تنفيذ الهجمات باستخدام أسراب من المسيّرات المزودة بأنظمة قيادة وتحكم تعتمد على برمجيات مثل (Lattice) ونظام الطيار الاصطناعي (Hivemind) القادر على اكتشاف الأهداف البشرية وتتبعها تلقائيًا، سواء كانت أهدافًا طارئة أو محددة مسبقًا عبر برامج تحليل البيانات مثل Lavender وGospel.

تقوم هذه البرامج بتحديد المواقع العسكرية والأهداف البشرية ومؤشراتها الحيوية مثل الوجه وبصمة الصوت وقزحية العين والأنماط الحرارية، وتخزينها لدى وحدات التحكم والتوجيه للمسيّرات والصواريخ، وإخضاعها لتقنيات التعلم الآلي، واستخدامها كنقاط استدلال عند اتخاذ القرار بتصفية أي شخصية.

استراتيجية إيران

يعكس ذلك القدرة على تنفيذ عمليات استخباراتية دقيقة داخل بيئة حضرية معقدة دون الحاجة إلى احتلالها عسكريًا، مع توفير عناصر النجاح الممكنة عبر المفاجأة والتكتيك ونوعية المعلومات الاستخباراتية المغذية للأنظمة الذكية، ومنها عمليات استهداف القيادات، بينما عزت بعض الروايات هذا النجاح بالكامل إلى اختراقات بشرية مباشرة داخل النظام الإيراني.

على الجانب الإيراني، أدركت إيران مبكرًا الفجوة في القوة مع إسرائيل والولايات المتحدة، مما دفعها إلى تبني استراتيجية تهدف إلى تحقيق توازن ردعي عبر القدرة على امتصاص الضربة الأولى والرد بضربة مقابلة، والقتال لأطول فترة ممكنة، كما حاولت استغلال نقاط استراتيجية تتعلق بالصعوبات المصاحبة للحروب القادمة من البحار، ومحدودية مجال المناورة المتاح لها، وفقدانها عنصر المفاجأة وصعوبة تحقيق السيادة البحرية الكاملة.

الاحتفاظ بالقدرات العسكرية

على المستوى العملياتي، احتفظت إيران بأعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة كاحتياط استراتيجي موزع بعناية، مع منصات إطلاق مخفية ومتنقلة، كما عملت على تأهيل القيادات العسكرية للعمل وفق نمط القيادة اللامركزية، مما يقلل من تأثير أي تصفيات للقيادات العليا، إلى جانب تطبيق إجراءات صارمة لأمن المعلومات، واعتمدت في بعض الحالات وسائل بدائية للتخفي مثل استخدام الكهوف كمستودعات لقطع الصواريخ والمسيّرات، ونقلها باستخدام الدواب لتجنب الرصد الجوي والفضائي.

بغض النظر عن التفاصيل العملياتية، فقد أبرزت هذه الحرب مبادئ استراتيجية مهمة تستحق الاعتبار كأساس للتخطيط العسكري، منها أن الاستخبارات باتت في كثير من الأحيان أكثر حسماً من القوة العسكرية التقليدية في إدارة الصراع، وأن استهداف القيادة يمكن أن يشل بنية التنظيم ويؤثر في قدرته على الاستمرار، ومع استمرار الحرب، من المحتمل أن تحمل الأسابيع المقبلة مزيدًا من التغيير على المفاهيم السائدة حول الحروب مما يستدعي اليقظة الاستراتيجية الدائمة.