عمان شهدت مؤخرا إطلاق وزارة الثقافة لمشروع “السردية الأردنية” الذي يأتي تنفيذا لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ويهدف المشروع إلى استعادة المبادرة في صياغة الرواية التاريخية الوطنية، مما يسهم في تعزيز مكانة الأردن التاريخية والمعاصرة كواحدة من أوائل المستوطنات البشرية التي شهدت استقرار الإنسان وتنظيمه المجتمعي عبر العصور.

ومع هذا الإعلان، طرحت تساؤلات عديدة في الشارع الأردني وبين المهتمين حول معنى هذه السردية في الحياة المعاصرة وكيف يمكن أن تؤثر على فهم المواطن لهويته وتاريخ أرضه، وما إذا كانت السردية مجرد كتاب تاريخي جديد أم نهج مختلف تماما.

“السردية” والفرق بين التوثيق والتدوين
يرتكز مشروع السردية الأردنية على قاعدة علمية واضحة تميز بين “التدوين” العابر و”التوثيق” المنهجي الذي تتبناه وزارة الثقافة، حيث أوضح أمين عام وزارة الثقافة د. نضال الأحمد العياصرة أن “السردية ليست مجرد تجميع لحكايات أو أحداث تاريخية، بل هي فعل علمي يستند على منهج علمي واضح”.

وأكد العياصرة أن المنهج المتبع في إنتاج هذه السردية يهدف إلى تقديم الأردن للعالم وللأجيال الصاعدة بصورة واقعية، بعيدا عن الطروحات الاختزالية التي قد تغفل أجزاء مهمة من التراث الحضاري، أو تحصر تاريخ الدولة في حقبة زمنية ضيقة، مشيرا إلى أن التوثيق يعد مأسسة للمعرفة وحماية لها من التشويه أو النسيان، وهو ما يحتاجه الأردن ليكون لديه مرجع ثقافي وسياسي يعبر عن “الأرض والإنسان”.

من جهته، اعتبر عالم الآثار الأردني ورئيس اللجنة الفنية للمشروع د. زيدان كفافي أن “السردية رسالة حضارية تتجاوز تتابع الكتب التقليدية” مضيفا أن “بينما يكتفي التدوين برصد الحدث المجرد، تعنى السردية ببناء إطار فكري يربط الإنسان بالمكان عبر العصور كافة”.

وأشار كفافي إلى أن هذا المشروع يعتمد على تقديم محتوى دقيق ومتسلسل تاريخيا لضمان وصول المعلومة العلمية الموثقة إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع، مؤكدا أن الفكرة من السردية بإطارها العام تتمثل في إخراج التاريخ من رفوف المكتبات الأكاديمية وجمعه بتسلسل وإيصاله للجميع.

تأصيل عراقة الدولة تاريخيا
تتعدد أهداف هذا المشروع الوطني لتشمل أبعادا تربوية وثقافية وسيادية عليا، وفي هذا السياق يوضح العياصرة أن أحد الأهداف الاستراتيجية هو إثبات أن الدولة الأردنية ليست نتاج مرحلة سياسية حديثة أو طارئة، بل هي ثمرة تراكم حضاري متواصل ومستقر.

ويستشهد العياصرة بمكتشفات منطقة “السخنة” التي أثبتت وجود نشاط بشري يعود لنحو 2.5 مليون سنة، ليكون الهدف هنا ترسيخ حقيقة أن الأردن من أقدم مناطق الاستقرار البشري في العالم.

ويشدد على أن السردية الأردنية لم تعد مجرد ترف ثقافي، ففي ظل ما يشهده العالم اليوم من “انفجار معرفي” هائل، وتدفق غير مسبوق للمعلومات عبر الفضاء الرقمي، أصبحت السردية ضرورة تحصينية، وتزويد المواطن، ولا سيما الشباب، بمرجع موثق يحميهم من تزييف الحقائق أو الروايات المشوهة التي قد تبرز في هذا الفضاء المفتوح.

وفي سياق متصل، يركز كفافي على الهدف التفاعلي للسردية، حيث يسعى المشروع لإيجاد حالة من التواصل الحي واليومي بين المواطن وتاريخ بلده، مضيفا أن السردية تهدف أيضا لتسليط الضوء على قيم التنوع الديني والعيش المشترك التي ميزت المجتمع عبر الحقب المختلفة، من الممالك القديمة والأنباط وصولا إلى العصور الإسلامية والنهضة الحديثة، مما يجعل من التاريخ مرجعا للقيم الأخلاقية والاجتماعية التي يقوم عليها الأردن المعاصر كدولة حضارية متسامحة ومنفتحة على العالم.

آلية العمل والمنهجية العلمية
تعتمد آلية العمل في السردية الأردنية على مأسسة البيانات وضمان دقتها عبر لجان علمية وفنية متخصصة تضم أكثر من 50 باحثا في مجالات الآثار والتاريخ والجيولوجيا والعلوم الاجتماعية وغيرها من المجالات كافة.

وبحسب العياصرة، فإن العمل يسير وفق تسلسل زمني ومحطات تاريخية واضحة ومترابطة، حيث يتم تحويل المعلومات إلى “سردية مصورة” ووسائط تقنية تجذب جيل الشباب.

وفي هذا السياق يشرح كفافي أن المنهجية المتبعة تبتعد تماما عن الجمود الذي قد يرافق الكتب، بحيث ستستخدم التقنيات الحديثة لإنتاج محتوى يلهم الكتاب والإعلاميين، ويحول التاريخ من نصوص مكتوبة إلى تجربة حية قابلة للفهم والاستيعاب البصري والذهني.

علاوة على ذلك، تتضمن آلية العمل جانبا تشاركيا فريدا يتمثل في منصة “قصص من الأردن” التي أطلقتها الوزارة بالتعاون مع إدارة التراث الملكي، وهذه المنصة تتيح للأردنيين في المحافظات والقرى والبوادي كافة توثيق قصصهم وتراثهم المحلي وذاكرتهم الشفوية، مما يضيف بعدا شعبيا وإنسانيا للسردية الرسمية.

ويؤكد العياصرة أن هناك رقابة فنية وأكاديمية صارمة تضمن صحة المحتوى المنشور على المنصة قبل اعتماده، لضمان مواءمته مع المعايير العلمية للمشروع، كما يجري حفظ هذه البيانات وأرشفة السردية ضمن مشروع “ذاكرة الوطن” في المكتبة الوطنية لضمان ديمومتها كمراجع أكاديمية ثابتة للأجيال القادمة وللباحثين من مختلف أنحاء العالم.

طموح السردية.. الجاهزية المستقبلية
يطمح القائمون على مشروع السردية الأردنية إلى تحويله من منجز محلي داخلي لوثيقة حضارية عالمية، ويكشف العياصرة عن خطط طموح لترجمة السردية لعدة لغات عالمية، مما يتيح عرض قصة الأردن الحضارية أمام العالم بصورة تليق بمكانته، ويسهم بتحديث الخطاب السياحي والثقافي الأردني دوليا.

كما يطمح المشروع للوصول إلى فئة الأطفال، وهي الفئة الأهم لضمان استدامة الهوية عبر إنتاج قصص وسرديات مبسطة تحاكي ذكاءهم وتستخدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لغرس قيم الانتماء والفخر في نفوسهم منذ الصغر، مما يضمن انتقال الرواية الوطنية بسلاسة وحداثة.

أما بشأن الجاهزية والجدول الزمني، فإن المشروع يسير بخطى حثيثة لتكتمل مراحله الأساسية تدريجيا، ويطمح كفافي واللجنة الفنية إلى أن تظل السردية “مشروعا مفتوحا” وقابلا للتحديث المستمر مع كل اكتشاف أثري أو بحثي جديد، بحيث لا تكون السردية مغلقة، بل منصة معرفية متطورة تواكب العصر الرقمي وتلبي احتياجات الباحثين والجمهور العام لتكون جاهزة كمرجع وطني شامل العام الحالي.

ومع اكتمال هذا المنجز، سيكون لدى الأردن مرجع موحد يروي قصة الأرض والإنسان بعيدا عن الاجتهادات ويحفظ حقائق التاريخ من الاختزال.