يتسارع تغير المناخ بشكل يثير القلق، مما يدفع الأردن إلى اتخاذ خطوات جادة نحو التحول إلى اقتصادات منخفضة الكربون، حيث يهدف إلى تقليل انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة، وفي هذا السياق، تكتسب السندات الخضراء والاجتماعية والاستدامة أهمية متزايدة، فهي أدوات مالية تهدف إلى تمويل مشاريع بيئية أو اجتماعية أو تنموية مستدامة، وقد أصبحت أكثر شيوعاً في الأردن كوسيلة لجمع التمويل اللازم لمواجهة تحديات تغير المناخ، وفقاً لتقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية (الإسكوا).
تقدم في تطوير أسواق الدين
أحرز الأردن تقدماً ملحوظاً في تطوير أسواق الدين المحلية خلال السنوات الأخيرة، وهي السوق التي تعتمد عليها الحكومات والمؤسسات للاقتراض من المستثمرين عبر السندات أو أذونات الخزينة، حيث يتم سداد هذه الأموال لاحقاً مع فوائد ضمن فترة زمنية محددة، ومع ذلك، لا تزال أسواق السندات المحلية في الأردن قادرة على لعب دور أكبر في دعم التحول نحو اقتصاد يحقق صافي انبعاثات صفري، مما يعني موازنة الانبعاثات الكربونية مع تلك التي يتم خفضها أو امتصاصها، بالإضافة إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ وأكثر استدامة.
التحديات المناخية والاقتصادية
يعتبر الأردن من أكثر المناطق عرضة للمخاطر المناخية، حيث تأتي هذه التحديات الجديدة فوق مشكلات قائمة مثل النزوح وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الحوكمة، ويتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى تفاقم هذه المشكلات القديمة وخلق مخاطر جديدة، وفقاً للتقرير الذي يكشف أن الموارد التي تجمع عبر أسواق السندات المحلية لا تزال غير كافية لتغطية التحديات المناخية أو سد فجوات تمويل أهداف التنمية المستدامة المعتمدة من الأمم المتحدة.
عوامل ضعف الأسواق
يعود ضعف أسواق السندات في الأردن إلى عدة عوامل، من أبرزها محدودية تطور هذه الأسواق وضعف عمقها وتنوعها، بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة باستدامة الديون العامة، كما أن هناك ضعفاً في القدرات المؤسسية لدى بعض الجهات المعنية، وارتفاع كلفة الالتزام بمتطلبات إصدار السندات المستدامة، وصعوبة استكمال التقارير المطلوبة لضمان الشفافية والمساءلة والالتزام بالمعايير الدولية.
الإطار التنظيمي وتحديات السوق
يلعب التخوف من الغسل الأخضر، وهو ادعاء أن المشاريع صديقة للبيئة دون أن تكون كذلك فعلياً، دوراً مهماً في هذه العوامل، حيث يظل الإطار التنظيمي لأسواق السندات غير مكتمل، مما يؤثر سلباً على تطور هذه الأسواق، إذ يهيمن السوق الأولي على نشاط السندات، وهو المرحلة التي تُطرح فيها السندات للمرة الأولى، بينما يعاني السوق الثانوي من ضعف في العمق والسيولة في دول مثل الأردن ومصر وتونس والمغرب، حيث يكاد يكون التداول في هذا السوق غائباً في بقية دول المنطقة.
مشاركة المستثمرين المحليين
تتسم أسواق السندات الأردنية بضعف مشاركة المستثمرين المحليين مثل صناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، بينما يظل إصدار السندات من الشركات محصوراً في المؤسسات المالية، مما يقلل من جاذبية هذه الأسواق أمام المستثمرين الأجانب، ويحد من قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات، وبالمقابل، تظل معدلات التضخم المرتفعة تحدياً مستمراً للدول العربية، لكن الأردن يتمتع بدرجة من الحماية من تقلبات أسعار الصرف نتيجة اعتماده أنظمة سعر صرف ثابتة.
الوضع الاقتصادي الإقليمي
يختلف هذا الوضع عن دول عربية أخرى تعاني من تقلبات في أسعار الصرف والفائدة، والتي تعزى غالباً لعوامل هيكلية وضغوط تضخمية، تتفاقم في ظل غياب أدوات فعالة للتحوط من المخاطر، ووفقاً لدراسة صادرة عن (الإسكوا) لعام 2024، ارتفع معدل التضخم في المنطقة العربية إلى 12%، بينما تزداد الصورة قتامة عند التركيز على تضخم أسعار الغذاء.
توصيات لتطوير السوق
يشير التقرير إلى أن المنطقة العربية ستظل عرضة لضغوط تضخمية مرتفعة ما لم تنجح في تجاوز تحدي الأمن الغذائي، كما تواجه الدول العربية تحديات كبيرة تتعلق بشح الموارد المائية وزيادة المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، وفي إطار تطوير سوق السندات الخضراء والاجتماعية في الأردن، يوصي التقرير بتعزيز الإطار التنظيمي والتشريعي للسندات المستدامة بما يتماشى مع المعايير الدولية، وزيادة ثقة المستثمرين، وتطوير البنية التحتية للأسواق المالية لتسهيل إصدار وتداول السندات وتحسين مستوى السيولة في السوق الثانوية، وتوسيع قاعدة المستثمرين المؤسسيين من خلال تشجيع صناديق التقاعد وشركات التأمين والاستثمار على المشاركة في هذه السوق، بالإضافة إلى توفير حوافز مالية وتشجيعية للجهات التي تصدر السندات الخضراء، مثل تخفيض الرسوم أو تقديم ضمانات جزئية، وتعزيز الشفافية والإفصاح بشأن استخدام عائدات السندات لضمان توجيهها فعلياً إلى مشاريع مستدامة، وبناء القدرات المؤسسية لدى الجهات الحكومية والقطاع الخاص في مجال التمويل المستدام.

