تدخل العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم “الاتفاق النووي مقابل العقوبات” حيث تسعى إيران إلى تقديم صفقة اقتصادية تشمل قطاعات استراتيجية مثل النفط والغاز والمعادن مما يطرح تساؤلات حول إمكانية استخدام هذه المقايضة كأداة تفاوضية في ظل التوترات التاريخية بين الطرفين، وكيف يمكن لإيران استثمار مواردها الاقتصادية في هذا السياق، وما إذا كانت هذه المقايضة ستسهم في إعادة تعريف العلاقة بين البلدين أم ستظل مجرد أداة تكتيكية ضمن صراع مستمر.
المقايضة الاقتصادية بوصفها أداة تفاوضية:
تعتبر المقايضة الاقتصادية من الأنماط المعقدة في العلاقات الدولية، حيث تتيح إدارة الخلافات دون الاعتراف المتبادل، مما يجعلها وسيلة فعالة في إدارة الصراعات، وفي حالة الصراع الأمريكي الإيراني، تعكس المقايضة الاقتصادية محاولة لإعادة تعريف الأدوات المستخدمة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، مما يطرح سؤالًا حول كيفية استخدام العقوبات كأداة للتفاوض.
في حالة إيران، يبدو أن الانتقال من الضغط الأقصى إلى التخفيف المشروط يعكس تحولًا في الاستراتيجية نحو المقايضة، حيث تتأثر القرارات الدولية بحسابات الكلفة والعائد، مما يجعل العقوبات وسيلة لرفع كلفة سلوك معين، بينما تمثل الحوافز فرصة لزيادة العوائد، وقد أثبتت التجارب أن الضغط وحده لا يضمن الامتثال بل قد يعزز من فكرة اقتصاد المقاومة.
توضح هذه الديناميكية أن الأدوات الاقتصادية ليست مجرد وسائل ضغط، بل يمكن إعادة توظيفها في سياقات تفاوضية، حيث عرض نائب وزير الخارجية الإيراني فرص التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة في مجالات مثل النفط والغاز والاستثمارات التعدينية، مما يشير إلى إمكانية استخدام المصالح الاقتصادية كجسر للتقارب بين الخصوم التاريخيين.
تقييم البنية الاقتصادية الإيرانية:
عند تقييم المقايضة الاقتصادية بين إيران والولايات المتحدة، يجب النظر إلى القيمة الفعلية للأوراق الاقتصادية التي يمكن لكل طرف تقديمها، وفي حالة إيران، يبرز سؤال حول مدى امتلاكها لأصول اقتصادية قادرة على إحداث تأثير حقيقي على واشنطن، مما يتطلب تحليلًا دقيقًا لأسس الاقتصاد الإيراني وقدرته على تقديم منافع ملموسة للطرف الآخر.
يمثل النفط والغاز حجر الزاوية للاقتصاد الإيراني، حيث تمتلك إيران احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، مما يمنحها قدرة تفاوضية مهمة في ظل اضطراب سوق الطاقة العالمية، ولكن يجب أيضًا النظر في القدرة الإنتاجية الفعلية في ظل العقوبات وتأثيرها على الاستقرار الاقتصادي.
تتمحور ورقة الجغرافيا الاستراتيجية حول مضيق هرمز الذي يعد ممرًا حيويًا لتجارة النفط العالمية، حيث يمكن لإيران أن تؤثر في أمن هذا الممر، لكن استخدام هذه الورقة في التفاوض يتطلب توازنًا دقيقًا نظرًا للمخاطر المحتملة.
أما في قطاع التعدين، تمتلك إيران احتياطيات كبيرة من المعادن غير المستثمرة بالكامل، مما يعكس فرصًا استراتيجية يمكن أن تجذب الاستثمار الأمريكي في حال تخفيف العقوبات، خاصة مع تزايد أهمية المعادن الحرجة في سلاسل توريد التكنولوجيا والطاقة النظيفة.
الحسابات الأمريكية بين الاقتصاد والأمن:
تتسم مقاربة الولايات المتحدة تجاه إيران بالتناقض بين المنطق الاقتصادي البراغماتي الذي يسعى إلى توسيع الأسواق، والمنطق الأمني الذي يهدف إلى احتواء الخصوم، حيث لا يتعلق الخلاف فقط بجودة الانخراط الاقتصادي، بل أيضًا بتأثير هذا الانخراط على القدرات النووية لإيران.
منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات صارمة على إيران، مما أثر سلبًا على اقتصادها، ولكن لم يكن لهذه العقوبات تأثير كبير على الاقتصاد الأمريكي، مما يعكس تباين المصالح بين الأمن الوطني والمصالح الاقتصادية.
في هذا السياق، يتطلب فهم حدود المرونة الأمريكية تجاه أي مقايضة اقتصادية مع إيران تحليل البنية المؤسسية الداخلية، حيث يمتلك الكونغرس سلطات واسعة في ملف العقوبات، مما يجعل أي تخفيف دائم للقيود رهينًا بتوازنات سياسية دقيقة.
على الرغم من الطابع الأمني الغالب على السياسة الأمريكية، فإن بعض القطاعات الاقتصادية قد تستفيد من تخفيف القيود، كما في حالة قطاع الطيران والطاقة، ولكن هذه المصالح لم تُترجم إلى ضغط سياسي كافٍ لتغيير السياسة الأمريكية، مما يعكس أولوية الاعتبارات الأمنية.
من خلال هذه المعطيات، يتضح أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المقايضة الاقتصادية مع إيران من زاوية الربح التجاري المباشر، بل من زاوية تأثيرها على معادلة الردع والاحتواء، مما يجعل أي انخراط اقتصادي مشروطًا بضمانات أمنية دقيقة.

