عمان– يطرح مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه من العقبة إلى مختلف مناطق المملكة تحديات معقدة تتعلق بالأمن المائي وحماية البيئة حيث يسعى المشروع، الذي يُعتبر من أكبر المشاريع الاستراتيجية لمواجهة نقص المياه المزمن، إلى إنتاج نحو 300 مليون م3 سنوياً من المياه المحلاة لتلبية حوالي 40% من احتياجات المملكة بحلول عام 2030، مما يثير نقاشاً حول الآثار البيئية المحتملة المرتبطة بعمليات التحلية وسحب مياه البحر وتصريف الرجيع الملحي، بالإضافة إلى تأثير مسار خط النقل والمنشآت المرافقة على النظم البيئية البحرية والبرية.
تتزايد أهمية هذا النقاش في ظل وقوع المشروع في بيئات طبيعية حساسة، تبدأ من خليج العقبة بما يحتويه من شعاب مرجانية وأنظمة بحرية غنية، وتمتد عبر مناطق صحراوية ذات قيمة بيئية وثقافية مثل وادي رم، مما يجعل تقييم الأثر البيئي والاجتماعي للمشروع عنصراً حاسماً لضمان تنفيذه ضمن إطار تنموي مستدام
أكد خبراء أن نجاح المشروع البيئي يعتمد على الالتزام الصارم بالمعايير الدولية لإدارة الأثر البيئي وتطبيق إجراءات التخفيف والمراقبة المستمرة لضمان عدم إحداث ضغوط جديدة على النظم البيئية الحساسة
أثر بيئي مرتفع
تُعتبر مشاريع التحلية البحرية في الأردن من المشاريع ذات “الأثر البيئي المرتفع”، وتتطلب “دراسة متخصصة في هذا الشأن تدمج الأثر الاجتماعي فيها كذلك”، وفقاً للمختصة في قضايا المياه والبيئة د. منى هندية
وأشارت إلى أن هذه الخطوة يجب أن تُجرى وفق قانون حماية البيئة الأردني ونظام التصنيف والترخيص البيئي رغم أن أحكامه “لا تطبق” على كافة مناطق المملكة بما في ذلك المناطق الحرة والتنموية، باستثناء سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة
ولفتت إلى أن الدليل الأردني الخاص بتقييم الأثر البيئي لمحطات التحلية يؤكد أن الدراسة يجب أن تغطي مراحل “الإنشاء، والتشغيل، والإيقاف/التفكيك”، وأن المتابعة يجب أن تكون عبر خطة “إدارة” و”مراقبة” بيئية، ومنح شروط موافقة بيئية قابلة “للرقابة والتفتيش”
دوليًا، يُصنف المشروع على أنه من المشاريع ذات “الأثر البيئي المرتفع” لدى الجهات الممولة له، حيث أن أي “مخاطر” بيئية واجتماعية محتملة قد تنجم عنه لا تخضع فقط لما يسمى “بالامتثال المحلي”، بل إلى الممارسات الدولية “القابلة للتدقيق”
أضافت أن الأثر البيئي المتوقع للناقل الوطني يتسم “بالإيجابي – الإستراتيجي” على الأمن المائي، ويعتبر طويل الأجل من حيث زيادة “موثوقية” إمدادات المياه في الأردن، وذلك عبر إنتاج 300 مليون م3 سنويًا من المياه المحلاة، التي تكفي لنحو 40% من احتياجات المملكة في 2030
ومن المتوقع أن يخفف المشروع من “الضغط” على المياه الجوفية “المستنزفة”، و”يقلل” الاعتماد على مصادر مائية عابرة للحدود، مما يساعد على “تعافي” بعض الموارد الطبيعية “المتدهورة”
كما يتضمن المشروع مكون طاقة متجددة، حيث تشير وثائق التمويل إلى أنه سيخفض “كثافة” الكربون له عبر تغطية نحو 28% من الطلب الكهربائي من هذا النوع من الطاقة
ومع ذلك، تشير إلى أن هناك ثلاث نقاط “خطرة” يجب مراقبتها، الأولى تتعلق بتصريف الرجيع الملحي إلى البحر وسحب المياه من خليج العقبة، والثانية والثالثة تتعلق بكيفية حماية الموائل الحرجة والتنوع الحيوي، ووادي رم والمجتمعات المحلية على طول المسار
وافترضت أنه في حال “فُرض” الالتزام “الصارم” بهذه المعايير، يمكن إبقاء الأثر البيئي ضمن حدود “مقبولة”، والذي يجب أن يُنفذ وفق هرم التخفيف القائم على التجنب الوقائي أولاً، ثم التقليل، ومن بعدها الاستعادة والتعويض، وأن أي “تراخٍ” في ذلك قد يحول المشروع إلى ملف بيئي “شديد الحساسية”
وحذرت من أن المشروع يحمل مخاطر بيئية “حساسة محددة” خصوصًا على البيئة البحرية في خليج العقبة، حيث أن محطة التحلية ستسحب مياه البحر وتعيد تصريف رجيع التحلية (brine) والمياه المرتبطة بالتنظيف والمعالجة إلى البحر مجددًا
استخدمت الدراسة للمشروع نمذجة لتحديد “منطقة خلط”، واعتمدت معيارًا “تحفظيًا” لزيادة الملوحة، ولكن هندية أكدت أن أثر التصريفات التشغيلية الروتينية وغير الروتينية متوقع أن ينحصر “محليًا” “وبنسب معتدلة”، ولن يكون أثرها كبيرًا إقليميًا إذا طُبقت إجراءات التخفيف، ولذلك دعت إلى تطبيق “مراقبة آنية مستمرة” للملوحة والحرارة والكلور والعكورة، وربط النتائج بإجراءات تشغيلية تلقائية، وتوقفات جزئية إذا لزم الأمر
كما طالبت بوضع برنامج تنفيذي قابل للقياس يشمل استزراع ونقل المرجان، وإنشاء موائل بديلة، مع مراقبة مستقلة طويلة الأجل، وتحديد مؤشرات نجاح بيولوجية “فعلية” لا مجرد “إنجازات إنشائية”
ونوهت إلى أن التصميم للمشروع قد عدل لأن خيار النقطة الأولى التي كان من المفترض أن تُسحب منها مياه البحر تم تغييرها إلى موقع آخر كانت ستسبب آثارًا “غير مقبولة وصعبة” التخفيف على الشعاب المرجانية والرخويات البحرية والأعشاب البحرية والأسماك المرتبطة بها وبعضها عابر للحدود
تهدف خطوة التعديل، بحسبها، لتقليل أعمال الجرف وتأثيرات العكارة، وتخفيف أثر السحب للمياه على اليرقات والمرجان والأعشاب البحرية
تشير الوثائق للمشروع، وفقًا لها، إلى أن الأثر العابر للحدود من السحب والتصريف لن يكون كبيراً إذا التزم المشروع بالتصميم وإجراءات التخفيف المقترحة
وحول أثر مشروع نقل المياه على التنوع الحيوي البري على طول خط النقل ومنشآت الطاقة والمرافق المصاحبة، أجملتها هندية بأنها ستطال بشكل رئيسي الموائل الطبيعية والأنواع النباتية والحيوانية والطيور، بما في ذلك أنواع قد تندرج ضمن الموائل “الحرجة”
لذا نصت الوثائق على ضرورة إجراء مسوحات ميدانية قبل الإنشاء، ونقل بعض الأنواع، وتفادي مواسم التكاثر، مع اعتماد إدارة تكيفية للتخفيف من الأثر
أما ما يتعلق بآثار جودة الهواء خلال فترة الإنشاء، فتوقعت هندية أن تكون “مؤقتة ومحصورة” نسبيًا، مثل الغبار والضجيج والاهتزاز والمخلفات وحركة الآليات، لذا شددت على وجود برنامج “مراقبة” للضجيج والاهتزاز وإدارة النفايات والحركة المرورية ومنع التلوث، وفرز المخلفات والتخلص منها عبر متعهدين معتمدين مع وضع آلية شكاوى واستجابة سريعة للمجتمعات المتأثرة
أشارت إلى أن الجودة البيئية لا تُقاس فقط “بالمخططات”، بل أيضًا بسرعة “الاستجابة” للشكاوى و”علنية” لبيانات الرصد و”إشراك” المجتمعات المحلية خلال التنفيذ والتشغيل
وفي رأيها، يمر المشروع في بيئة طبيعية “حساسة” قرب منطقة وادي رم المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومناطق سكنية وتجارية وسياحية، لذا تضمنت دراسة المشروع، بحسبها، تقييماً خاصًا بوادي رم وفق أنظمة اليونسكو لعام 2022، إضافة إلى خطة إدارة للتراث الثقافي وبروتوكول “العثور العرضي” أثناء الحفر
أما تقييم الأثر التراكمي للمشروع، فإن إدخال 300 مليون م³ في السنة إلى الشبكة الوطنية، يخلق تحديات تشغيلية ومؤسسية للبنية التحتية لشبكات المياه والصرف، ولذلك يجب ربط المشروع ببرنامج جاهزية للبنية التحتية الوطنية حتى لا يتحول الأثر الإيجابي إلى عبء تشغيلي لاحق، كما أفادت هندية
خلل بالتوازن البيئي
من وجهة نظر مؤسس برنامجي ماجستير الطاقة المتجددة والبيئة والتغيرات المُناخية في الجامعة الأردنية البروفيسور أحمد السلايمة، فإن مساحة الحيود المرجانية في خليج العقبة والممتدة على مساحة 27 كم لا تعد “قليلة”
لذلك فإن فكرة المشروع التي تقوم على تحلية مياه البحر في خليج العقبة، والتقنية المستخدمة ستعمل على إعادة تصريف المياه المالحة الناتجة عن التحلية إلى البحر مرة أخرى، مما سيخل بالتوازن البيئي، بل وسيشكل أضرارًا “بالشعاب المرجانية” و”الحياة البحرية”، وفقًا له
لذلك يجري الحديث حالياً عن محاولة إيجاد أماكن لإعادة المياه المالحة إلى أخرى بعيدة عن مواقع تواجد الحيود المرجانية، ودون الإخلال بالتوازن البيئي، بحسبه
واقترح مجموعة إجراءات يمكن اتخاذها لحماية الحياة البحرية والنظم البيئية، من بينها إجراء مسح بيئي شامل ومتكامل لمنطقة خليج العقبة للاطلاع على الأماكن الحساسة بيئياً وتواجد الشعاب المرجانية، للابتعاد عنها في حال سحب المياه
ودعا كذلك إلى توزيع المياه المالحة المسترجعة على أكثر من منطقة وموقع، لتقليل الأثر الناجم عنها، على أن تتم عملية السحب كذلك من عدة مواقع
وشدد على أن إعلان الحكومة والجهات القائمة على المشروع “بشفافية” نتائج المسوحات يعد أمراً في غاية الأهمية، حتى يتمكن الخبراء من مشاركة آرائهم ومقترحاتهم لتخفيف من الآثار البيئية المتوقعة
مشروع إستراتيجي
وبرأي المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد، فإن مشروع الناقل من المشاريع “الإستراتيجية” في ظل شح الموارد المائية في الأردن و”التوترات السياسية” التي تجعل الأمن المائي أولوية وطنية “قصوى”، خصوصًا في دولة تُعد من أفقر دول العالم مائيًا
إلا أن أهمية المشروع، وفقًا له، لا يجب أن تُقاس فقط بما سيضيفه من كميات مياه، بل بقدرته أيضًا على صياغة “قصة نجاح” في تطبيق أفضل الممارسات التي تضمن تجنب خلق “ضغوط” بيئية جديدة، لا سيما في النظم “البحرية الحساسة” في خليج العقبة وعلى امتداد المسار البري الخاص به
وشدد لـ”الغد” على أن القيمة الوطنية للمشروع لا تعني بأي حال “تخفيف” المعايير البيئية، بل على العكس تمامًا، لا بد من “زيادتها” لأعلى مستوى ممكن
فالمقاربة الصحيحة، بحسبه، ليست المفاضلة بين الأمن المائي والتنوع الحيوي، بل تنفيذ المشروع ضمن نموذج “تنموي مستدام” يضمن توافق الأمرين معًا ومع حماية النظم البيئية
ولا يتحقق ذلك الأمر، كما ذكر، إلا عبر تجنب “الموائل الأكثر حساسية” وتقليل “البصمة البيئية” واعتماد “المراقبة” المستمرة والإدارة التكيفية، بما يحقق عدم “فقدان” إضافي للتنوع الحيوي بل “مكاسب” فعلية في حماية الموائل الحرجة
عندها فقط يمكن وصفه بأنه مشروع “وطني وإستراتيجي ومستدام”، ويمكن أن يمثل نموذجاً لأفضل الممارسات في التوازن بين التنمية وحماية البيئة
وأضاف أن تنفيذ المشروع بصورة سليمة ومستدامة يمكن أن يحقق “فوائد بيئية” مباشرة وغير مباشرة مهمة، أبرزها تقليل الضغط على المياه الجوفية المستنزفة وتعزيز استخدام المياه المعالجة في القطاعات الإنتاجية والحد من السحب المفرط من المصادر التقليدية مع خفض الانبعاثات في حال دمج الطاقة المتجددة في تشغيله
ولتحقيق ذلك، اقترح عيد أن تقوم إدارة المشروع على تطبيق “صارم” لهرم التخفيف البيئي القائم على التجنب ثم التقليل ثم الاستعادة ثم التعويض عند الضرورة فقط، وألا يقتصر التركيز على تنفيذ البنية التحتية له مع “إهمال التوصيات” الواردة في دراسات تقييم الأثر البيئي
وبدلاً من ذلك، ووفقًا له، يجب أن تكون هذه التوصيات “جزءًا أساسيًا” من عملية التنفيذ والمتابعة، بالإضافة إلى التحسين المستمر لمسار المشروع وتصميمه بما يقلل “التأثيرات البيئية” إلى الحد الأدنى
وأعرب عن أمله أن يعد القائمون على المشروع خطة لإدارة التنوع الحيوي، على أن تكون “ملزمة” التنفيذ لكافة الأطراف المشاركة، وأن تضمن إجراءات تنفيذية “واضحة” وبمؤشرات كمية وجداول زمنية ومواقع محددة للاستعادة أو التعويض مع التزام صريح بتحقيق “صفر فاقد” للتنوع الحيوي
وأكد أن يشمل ذلك استعادة الموائل المتأثرة بشكل حقيقي وتنظيم الأعمال الإنشائية بما يتجنب مواسم التكاثر والتعشيش، إلى جانب تصميم بنية تحتية صديقة للحياة البرية، خصوصًا فيما يتعلق بخطوط الكهرباء والمنشآت المرافقة
تعزيز الأمن المائي
ويمثل مشروع الناقل الوطني “خطوة إستراتيجية” ضمن جهود مواجهة الآثار السلبية للتغير المُناخي في الأردن، إذ يسهم في “تعزيز” الأمن المائي، ويشكّل أداة “مهمة” لدعم جهود التكيف مع أزمة المُناخ في واحدة من أكثر دول العالم فقراً بالمياه، وفق رئيسة قسم التغير المُناخي في الجمعية العلمية الملكية ربى عجور
ولفتت إلى أن التغير المناخي في الأردن يتجلى بوضوح عبر ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الهطل المطري وتزايد فترات الجفاف وموجات الحر، مما يزيد من “الضغوط” على الموارد المائية، ويجعل مثل هذه المشاريع ضرورة وطنية “ملحّة”
ومن وجهة نظرها، فإن أهمية المشروع تكمن أيضاً في انسجامه مع السياسات المُناخية الوطنية، بما في ذلك الخطة الوطنية للتكيف مع التغير المُناخي وتحديث المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، فهو يسهم في تعزيز مرونة القطاع المائي، ويعد جزءاً من الجهود الوطنية لمواجهة التحديات المُناخية وتعزيز الاستدامة
وتوقعت في تصريحات لـ”الغد” أن يسهم المشروع أيضًا في مسار “التخفيف” من الانبعاثات، حيث سيتم تشغيله باستخدام الطاقة المتجددة مع اعتماد أفضل التقنيات ومعايير كفاءة الطاقة
وشددت على أن عقد جلسة الإفصاح البيئي والاجتماعي في العقبة يحمل أهمية “خاصة”، إذ تمثل العقبة نقطة الانطلاق للمشروع وموقعاً ذا “حساسية بيئية”، لا سيما فيما يتعلق بحماية النظم البيئية البحرية في خليج العقبة
وبناء على ذلك، تؤكد عجور أن “إشراك” المجتمع المحلي والخبراء والجهات المعنية في هذه الحوارات يعزز “الشفافية”، ويساعد على ضمان تنفيذ المشروع وفق أعلى المعايير البيئية والاجتماعية
وأشارت إلى أن مشروع الناقل الوطني يتجاوز كونه مجرد مشروع بنية تحتية مائية، ليصبح جزءاً من “الرؤية” الوطنية لتعزيز المرونة المناخية في القطاعات الحيوية، كما يمكن أن يشكّل “نموذجاً إقليمياً” لكيفية توظيف مشاريع المياه الكبرى كأداة “فعّالة” للتكيف مع التغير المناخي وتعزيز الأمن المائي والتنمية المستدامة.
“الناقل الوطني” يثير نقاشًا حول توازن الأمن المائي وحماية البيئة

