عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون، مؤلف الكتاب المعروف (سيكولوجية الجماهير)، أظهر قدرة فريدة على استشراف تأثير الحشود على الأفراد، حيث تمتد هذه التأثيرات إلى مجالات متعددة تتجاوز السياسة والثورات، مما يتجلى في كيفية استخدام الجماعات لمنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام للترويج أو محاربة أفكار معينة.
اضافة اعلان.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أصبحت محور اهتمام مجموعة من الجمهور، حيث لا يقتصر الأمر على الأفراد المعنيين بهذه الحقوق بل يتجاوز ذلك إلى تعاطف عاطفي من قبل الكثيرين الذين يسعون إلى الانخراط في الترندات الاجتماعية التي تعكس مشاعر الهيجان والتأجيج.
في الوقت الذي حصلت فيه شخصيات ومؤسسات على جوائز عالمية تقديراً لجهودها في تعزيز حقوق الإنسان والعمل الاجتماعي، كما هو الحال مع الكاتبة البريطانية J.K. Rowling ومؤسسة لوموس، فإن بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان في منطقتنا لا يترددون في تبني مواقف تفتقر إلى الأسس العلمية، حيث يتبنون آراء تتعارض مع مبادئ الحق ومناهضة التمييز دون محاولة فهم الموضوع بشكل أعمق.
تسرع هؤلاء في تبني مواقف مناهضة لفكرة الدمج الأسري والمجتمعي دون أي احترام للقضية، حيث لا يظهرون رغبة في الاطلاع على الأدبيات المتعلقة بالموضوع أو الممارسات المقارنة، مما يعكس تفكيراً نمطياً يعتقد أن ذوي الإعاقات الشديدة لا يمتلكون رغبات أو ميول، وهو اعتقاد يعكس نرجسية غير واعية تنفي إنسانيتهم.
قبل اتخاذ مواقف شعبوية، ينبغي على هؤلاء أن يطرحوا أسئلة حول حالات الوفاة الناتجة عن الاكتئاب لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذين لم يتلقوا الدعم الكافي من أسرهم، كما يجب أن يتساءلوا عن كيفية فهمهم للأشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم بشكل واضح، هل يعتبرونهم كائنات غير قادرة على إبداء رغباتهم.
هل حاول هؤلاء التعرف على حالات ذوي الإعاقات الشديدة التي تحتضنها أسرها في الأردن وخارجها، وكيف يمكن أن نفاخر بملفنا في حقوق الإنسان بينما نسمح بأن يكون بلدنا ملاذاً للأسر التي ترفض أبناءها بسبب إعاقاتهم.
هل فكروا في الجهود المبذولة لتقديم بدائل للإيواء، وما هي العوائق التي تواجه الجهات المعنية في هذا السياق، وكيف كانت تجارب الأشخاص الذين دخلوا المؤسسات الإيوائية وانتهى بهم الحال.
هل يعرف هؤلاء شيئاً عن البدائل المالية والتأهيلية التي يمكن أن تحول حالات ذوي الإعاقة من الركود إلى النشاط، وكيف يمكن أن يكون للأشخاص ذوي الإعاقة دور فعال في المجتمع إذا ما أتيحت لهم الفرصة.
كيف يمكن لمجموعة من الأفراد من خلف شاشاتهم أن يعتبروا الدمج انتهاكاً ويجعلوا من الإقصاء حقاً، رغم أن الأسر تحتاج إلى دعم وتأهيل نفسي ومالي، فإن تغييب الشخص نفسه في هذه النقاشات هو انتهاك لكرامته الإنسانية.
بعض أصحاب المراكز الإيوائية الخاصة، الذين يتعاقدون مع سفارات وأسر من خارج الأردن، يظهرون عداءً واضحاً ضد أحكام حظر الإيواء في قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث يسعون لتشويه قيمة الدمج والحق فيه مع اقتراب المهلة القانونية لإنهاء الإيواء، مما يعكس مصالحهم الشخصية.
من المؤسف أن المدافعين عن حقوق المرأة والطفل وكبار السن يتجاهلون اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تؤكد على أهمية الدمج كحق أساسي، حيث أن تجاهل هذه المبادئ يعد نقيصة كبيرة في سياق حقوق الإنسان.
في زمن يسعى فيه البعض لركوب موجة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يبدو أن هناك تناقضاً واضحاً بين ما يُعتبر حقاً وما يُعتبر اختياراً، مما يعكس مأساة الواقع الذي نحاول التعايش معه.

