مضى شهر على الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران وما رافقه من عدوان إيراني على سبع دول عربية، بما فيها الأردن، دون أن يتضح متى ستنتهي هذه الحرب وما إذا كانت ستخرج المنطقة من أزمتها المزمنة التي فرضها الثنائي نتنياهو وترامب، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على تصريحات الرئيس ترامب الذي وصف حلفاءه في أوروبا بالجبن وحلف الناتو بأنه نمر من ورق، ولا على التصريحات المتضاربة التي تتراوح بين التفاخر بقتل قادة إيران وتدمير قواتهم الجوية والبحرية، وبين الحديث عن استمرار الحرب لأسابيع رغم ما تحمله من دمار وضحايا في إيران والدول العربية المجاورة، حيث أن المنهج السياسي للأردن كان دائماً متوازنًا وعقلانيًا، ملتزمًا بالقوانين الدولية والإنسانية، ومجهزًا للعمل على تخفيض التصعيد والاحتكام إلى الدبلوماسية والحوار لفض النزاعات.
ومع ذلك، استمرت الحرب وقد تطول، مما قد يُستغل من قبل نتنياهو كستار يغطي جرائم الاحتلال المستمرة في الضفة الغربية وغزة، حيث أدت هذه الحرب إلى نزوح 800 ألف لبناني حتى الآن، ومع أن إيران وضعت شروطًا لوقف الحرب مقابل الشروط القاسية التي أعلنها ترامب، إلا أن عدم الثقة المتبادل والضغوط الصهيونية تجعل الأمر في غاية التعقيد.
وفي ظل استمرار هذه الحرب، من المهم التفكير في التبعات والنتائج التي تمخضت عنها، حيث تسببت الأضرار التي خلفها العدوان الإيراني على المرافق النفطية في دول الخليج وتعثر المرور في مضيق هرمز في حدوث خلل في منظومة الطاقة على المستويين الإقليمي والعالمي، مما يتطلب أشهراً عديدة لإصلاحها وفقًا لتصريحات مدير وكالة الطاقة الدولية.
كما أدت الحرب إلى توقف السياحة وارتفاع أسعار النفط والغاز بما يزيد على 30%، مما سيؤثر على قطاع الطاقة في الأردن، وبالتالي على الخزينة والمواطن، حتى لو كانت هذه الأعباء مؤجلة، مما يستدعي إعادة النظر في مصادر الطاقة والمياه والنقل لضمان استمرارية النشاط الاقتصادي دون نكسة.
ويحتاج الأردن إلى توسيع استثماراته في الصخر الزيتي وتوليد الكهرباء من محطات وقودها الصخر الزيتي، بالإضافة إلى تسهيل تركيب أنظمة الطاقة الشمسية والرياح، حيث يجب اعتبار ذلك استثمارًا طويل المدى وليس مؤقتًا، كما ينبغي إعادة النظر في وسائط نقل النفط الخام من خلال الانتقال من نقل الصهاريج إلى خطوط الأنابيب، مما يتطلب تشغيل أنابيب نقل النفط الخام من السعودية كما كانت في التسعينيات.
وفي حال تعرضت الملاحة في البحر الأحمر إلى اضطراب، فإن الاستفادة من ميناء اللاذقية تتطلب إعادة النظر في موضوع النقل، والتركيز على تشغيل خطوط سكة حديد تربط العقبة بعمان بسوريا، حيث أن الحرب رفعت ثمن الأسمدة والألمنيوم بنسبة تجاوزت 40%، مما سيرفع كلفة الإنتاج الزراعي بنسبة 20% على الأقل، مما يستدعي برنامجًا وطنيًا لدعم الزراعة وتنشيط الصناعات الزراعية.
أما بالنسبة لمشروع الناقل الوطني، فإنه من الضروري النظر في إمكانية تقسيم المشروع إلى ثلاثة مشاريع منفصلة، مع ضرورة إدخال شركات المقاولات الوطنية في هذه المشاريع، حيث أثبتت الحرب أن أمن المنطقة دائمًا في خطر، مما يستدعي إنشاء منظومة دفاع عربي مشترك لتكون هناك قوة عربية فاعلة ورادعة.
وتبقى المنطقة في خطر متواصل طالما بقيت إسرائيل في عقلية الاستعمار، وطالما استمرت أوروبا في التردد، مما يتطلب العمل الوطني الرصين لدعم القيادة ومؤسسات الدولة الأردنية واستمرارية برامج التنمية، وتعزيز العمل العربي المشترك.

