عمان – أثارت الدعوة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشكيل تحالف بحري في مضيق هرمز الكثير من التساؤلات حول دلالاتها السياسية والعسكرية، خاصة أنها تأتي في وقت تتزايد فيه التصريحات بشأن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الدعوة تعكس تناقضًا في الخطاب الأميركي أو تمثل خطوة استراتيجية تهدف لإدارة مرحلة جديدة من الصراع في المنطقة.
تتعلق هذه الفكرة بحماية الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة بالعالم، إلا أن استمرار الهجمات الصاروخية في المنطقة يشير إلى أن السيطرة الكاملة على المجال الإيراني أو تحييد قدراته العسكرية لم يتحقق بعد، مما يعكس تعقيد الوضع الأمني في المنطقة.
تتداخل الأبعاد العسكرية مع حسابات اقتصادية وجيوسياسية أوسع، حيث إن مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس تجارة النفط العالمية أصبح ورقة ضغط مؤثرة في المعادلة الإقليمية، مما قد يؤدي إلى رفع كلفة الحرب وإرباك الأسواق العالمية إذا تعطلت الملاحة فيه، وبالتالي فإن الدعوة الأميركية لتحالف بحري تبدو محاولة لتدويل أمن الممرات البحرية وتقاسم الأعباء مع القوى الكبرى المستوردة للطاقة، بالإضافة إلى السعي لردع طهران وعزلها سياسيًا.
تحالف لتقاسم أعباء المواجهة
في هذا السياق، أشار رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات إلى أن الولايات المتحدة والاحتلال لم يتمكنا حتى الآن من فرض سيطرة كاملة على الأجواء الإيرانية أو منع إطلاق الصواريخ بشكل تام، حيث إن استمرار الهجمات الصاروخية باتجاه إسرائيل وبعض القواعد الأميركية يعد دليلاً على ذلك، مؤكدًا أن الدعوة لتشكيل تحالف بحري تهدف لتوزيع الأعباء العسكرية والاقتصادية على شركاء الولايات المتحدة، وليس إبقاءها مسؤولية أميركية منفردة، كما تسعى واشنطن من خلال هذه الخطوة لدفع الدول التي تمتلك مصالح اقتصادية في المنطقة، بما في ذلك القوى الكبرى مثل الصين، لتحمل جزء من المسؤولية في حماية الممرات البحرية الحيوية.
بينما أشار إلى أن السيطرة العسكرية الكاملة على مضيق هرمز تعد مهمة معقدة، وقد تتطلب تغييرات جوهرية داخل إيران، بما في ذلك احتمال تغيير النظام، وهو سيناريو بالغ الصعوبة يستلزم تدخلاً بريًا واسع النطاق قد يحتاج إلى مئات الآلاف من الجنود، كما أن حدوث احتجاجات شعبية واسعة داخل إيران قد يغير موازين القوى، إلا أن هذا الاحتمال يبقى غير مضمون في الوقت الراهن، حيث لا تزال طهران تمتلك القدرة على استهداف الملاحة في المضيق وعرقلة حركة السفن وناقلات النفط، وهو ما ظهر في حوادث استهداف بعض السفن مع اندلاع المواجهات الأخيرة.
كما لفت إلى أن دعوة واشنطن لتشكيل تحالف دولي تحمل أيضًا بعدًا سياسيًا، حيث تهدف لإظهار أن إيران لا تواجه الولايات المتحدة والاحتلال فقط، بل المجتمع الدولي بأسره، مما قد يدفع العديد من الدول للانخراط في الصراع إذا تعرضت سفنها التجارية أو مصالحها البحرية للخطر، وأشار إلى أن أحد الدوافع الرئيسة لهذه السياسة يتعلق بالجانب الاقتصادي، إذ تسعى الإدارة الأميركية لتجنب ارتفاع كبير في أسعار النفط في حال تعطلت الملاحة في المضيق لفترة طويلة، حيث تشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن استمرار إغلاق المضيق لأسابيع قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 200 دولار للبرميل، مما قد يسبب صدمة قوية للاقتصاد العالمي ويهدد بدخول الأسواق في حالة ركود.
تهديد هرمز يرفع كلفة الحرب على واشنطن
بدوره، أوضح المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د. منذر الحوارات أن إيران توظف الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة بالعالم، كورقة ضغط في الصراع الدائر، حيث يمنح المضيق طهران قدرة على رفع كلفة المواجهة، ليس فقط عسكريًا بل اقتصاديًا أيضًا، عبر التأثير في أسعار النفط والتسبب باضطرابات في الأسواق العالمية وارتفاع معدلات التضخم، وأشار إلى أن ترامب يسعى لتقليل تأثير هذه الورقة عبر الدعوة لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في المضيق، على غرار التحالفات التي أُنشئت سابقًا لتأمين ممرات بحرية حيوية مثل مضيق باب المندب.
يرى أن تدويل أمن المضيق يعني عمليًا تحويل قضية حماية إمدادات الطاقة لمسؤولية دولية مشتركة، مما قد يقلص قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط مباشرة، حيث إن أي محاولة لإغلاقه ستضعها في مواجهة مع تحالف دولي واسع، ومع ذلك، أكد الحوارات أن هذا التحرك لن ينهي بالكامل النفوذ الإيراني في المضيق، حيث تمنح الجغرافيا إيران موقعًا استراتيجيًا على ضفته الشمالية، مما يتيح لها امتلاك أدوات متعددة للتأثير في حركة الملاحة، مثل الزوارق السريعة والألغام البحرية والطائرات المسيرة، ورغم أن هذه الوسائل قد لا تؤدي إلى إغلاق المضيق بشكل كامل، فإنها قادرة على تهديد أمن الملاحة ورفع كلفة المرور عبره.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تواجه في المقابل تحديًا يتمثل في تردد عدد من الدول الأوروبية والآسيوية في الانخراط بمواجهة مباشرة مع طهران، ويعزى هذا التردد إلى خشية تلك الدول من اتساع نطاق الصراع وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع، فضلاً عن اعتماد اقتصاداتها على استقرار أسواق الطاقة، وخلص إلى أن تشكيل تحالف دولي قد يحد من قدرة إيران على استخدام المضيق كورقة ضغط مباشرة، لكنه لن يلغي نفوذها عليه تمامًا، حيث بات الصراع يتجاوز البعد العسكري ليشمل تنافسًا جيوسياسيًا أوسع على أمن الطاقة والممرات التجارية العالمية.
أمن الطاقة العالمي في قلب الأزمة
فيما رأى الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد أن الدعوة التي أطلقها ترامب لتشكيل تحالف بحري في المنطقة تبدو شبيهة بالتحالف الدولي الذي تشكل خلال إدارة جو بايدن لمواجهة تهديدات الحوثيين للسفن التجارية في البحر الأحمر والمعروف باسم “تحالف الازدهار”، حيث لفت الرداد إلى أن هذه الدعوة رغم التصريحات المتكررة لترامب بشأن تدمير القدرات الإيرانية تحمل أبعادًا أوسع من الجانب العسكري المباشر.
وتابع أن واشنطن تسعى لإشراك الدول الكبرى المستوردة للنفط من منطقة الخليج في تحمل تبعات الأزمة، خصوصًا أن الولايات المتحدة أعلنت مرارًا أنها لا تعتمد على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، وشدد على أن استمرار تهديد الملاحة بالمضيق سيؤثر بشكل رئيسي في الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الصين، حيث تسعى الإدارة الأميركية عبر هذه الخطوة لتحقيق مجموعة من الأهداف، في مقدمتها احتواء تداعيات ارتفاع أسعار النفط العالمية، إلى جانب هدف سياسي يتمثل في عزل إيران دوليًا وحشد أطراف دولية ضدها تحت عنوان حماية سلاسل الإمداد العالمية ومنع تهديد الاستقرار الدولي.
أضاف أن واشنطن تراهن أيضًا على احتمال وقوع حوادث استهداف للسفن التجارية في ظل التصعيد القائم، سواء عبر الألغام البحرية أو الطائرات المسيرة أو الصواريخ، مما قد يدفع الدول المالكة لتلك السفن للانخراط بشكل أكبر في المواجهة العسكرية، وفي المقابل، لفت الرداد إلى أن الخطة الأميركية ما تزال تواجه قدراً من التحفظ الأوروبي، حيث تخشى دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى كوريا الجنوبية، من أن يتحول ملف المضيق إلى مدخل للانجرار نحو حرب أوسع في المنطقة، ومع ذلك، لا يعني هذا التردد تخلي هذه الدول عن واشنطن، إذ قد تكتفي بتقديم دعم لوجستي أو استخباراتي دون الانخراط المباشر في العمليات العسكرية، وشدد على أن ملف مضيق هرمز يظل بالغ التعقيد في ظل الحديث عن خيارات عسكرية أميركية محتملة تشمل تعزيز السيطرة على مواقع استراتيجية قريبة من السواحل الإيرانية مثل جزيرة خرج وجزيرة قشم، حيث اعتبر أن الولايات المتحدة تراهن في نهاية المطاف على أن تفقد إيران قدرتها على استخدام المضيق كورقة ضغط استراتيجية في الصراع.

