عمان في ظل التحولات المناخية المتسارعة وتغير أنماط توافر المياه، أصبحت قضية المياه من أبرز عناصر الأمن الاستراتيجي للدول، حيث تتجاوز هذه القضية حدود البيئة والخدمات لتصبح محورًا رئيسيًا في السياسات الاقتصادية والدبلوماسية، وفي هذا السياق يواجه الأردن، الذي يعد من أفقر الدول مائيًا، تحديات معقدة تتطلب استراتيجيات طويلة الأمد للتكيف مع الظروف المتغيرة باستمرار.
في ظل هذه المعطيات، فإن الأمن المائي الأردني لم يعد مجرد مسألة محلية بل أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بقرارات إدارة المياه في الدول المجاورة، حيث إن كل مشروع مائي جديد في تلك الدول يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على كمية المياه المتاحة للأردن، مما يستدعي تعزيز الإدارة المتكاملة للموارد المائية داخل المملكة من خلال تحسين كفاءة استخدام المياه وتطوير مصادر غير تقليدية مثل إعادة استخدام المياه المعالجة وتحلية المياه، بالإضافة إلى حماية الأنظمة البيئية المائية من التدهور.
كما أن التعاون الإقليمي حول الأحواض المائية المشتركة يعد ضرورة ملحة، حيث إن المياه العابرة للحدود لا يمكن إدارتها بشكل منفرد، بل تتطلب حوارًا مستمرًا بين الدول المتشاطئة لضمان تقاسم عادل ومستدام لهذا المورد الحيوي، إذ إن التغيرات السريعة التي تشهدها الدورة الهيدرولوجية عالميًا، بدءًا من ذوبان الجليد في المناطق القطبية ومرورًا باضطراب أنماط الأمطار، تعيد تشكيل خريطة الموارد المائية في العالم.
وتشير المعطيات إلى أن العقد الأخير شهد تسارعًا ملحوظًا في آثار التغير المناخي على الأنظمة المائية، حيث يسهم ذوبان الجليد في المناطق الشمالية في ارتفاع مستوى البحار، مما يؤدي إلى تغييرات بيئية واسعة النطاق، ولا تقتصر هذه التأثيرات على البحار والمحيطات، بل تمتد إلى الأنظمة البيئية المرتبطة بها، بما في ذلك الثروة السمكية وارتفاع درجات الحرارة العالمية.
ومع ارتفاع الحرارة، تتغير أنماط المناخ، مما يؤدي إلى اضطراب في مواعيد الفصول وتذبذب درجات الحرارة، وهو ما ينعكس على كميات الأمطار ومواعيد هطولها، مما يؤثر بدوره على تدفقات الأنهار ومعدلات تغذية المياه الجوفية، وهي مصادر أساسية تعتمد عليها الدول التي تعاني من شح المياه.
وعلى الرغم من أن التغير المناخي يمثل أحد العوامل الرئيسية في إعادة تشكيل المشهد المائي، إلا أن الأحواض المائية المشتركة في الشرق الأوسط تشهد تداخلًا معقدًا بين العوامل الطبيعية والسياسية، حيث يتجسد ذلك بشكل مباشر في حوض نهر اليرموك، الذي يعد أحد المصادر الرئيسية للمياه للأردن، حيث تتأثر تدفقات المياه بمزيج من العوامل الطبيعية والسياسية، بما في ذلك إنشاء السدود وتجاوز الحدود المتفق عليها لاستخدام المياه.
وفي ظل هذه التحديات، أكد الخبير الدولي في قطاع المياه د. دريد محاسنة أن التحولات المناخية التي شهدها العالم خلال العقد الأخير أصبحت عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل أنماط توافر المياه، مما ينعكس على دول المنطقة بما فيها الأردن، مشيرًا إلى أن التغير المناخي المتسارع يفرض آثارًا متراكمة على الأنظمة البيئية المائية.
كما أشار محاسنة إلى أن التغير المناخي لا يؤثر فقط على مستوى البحار، بل يمتد أيضًا ليؤثر على النظم البيئية البحرية والموارد الطبيعية المرتبطة بها، مما يؤثر بدوره على الثروة السمكية ودرجات الحرارة، وهذا يتجلى في اضطراب واضح في انتظام المواسم المناخية، مما ينعكس على كميات الأمطار ومصادر المياه السطحية والجوفية.
وفيما يتعلق بحوض اليرموك، أوضح محاسنة أن الوضع المائي يتأثر بمزيج من العوامل الطبيعية والسياسية، حيث يشهد الحوض جفافًا يعود جزء منه إلى بناء السدود وتجاوز الحدود المتفق عليها، بينما يعود الجزء الآخر إلى الجفاف الطبيعي، كما أن الأحواض المائية في لبنان تلعب دورًا في تغذية النظام المائي في المنطقة، مما يعني أن أي تغيير في إدارة هذه الموارد ينعكس مباشرة على النظام المائي في نهر الأردن.
ولا تقتصر تأثيرات التغير المناخي وإدارة المياه في أعالي الأحواض على الأردن فقط، بل تشمل دولًا أخرى في المنطقة، حيث بدأ نهر النيل يشهد إجراءات جديدة للتكيف مع التغيرات المتوقعة، مع بدء مصر في البحث عن تحلية مياه البحر كبديل عن الاعتماد على نهر النيل، مما يعكس الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.
وفي ضوء هذه التحديات، أكد محاسنة أن تعزيز الأمن المائي في الأردن والمنطقة يتطلب مقاربة إقليمية قائمة على التعاون والحوار بين الدول المتشاركة في الأحواض المائية، مشددًا على أهمية الحوار بين الأردن وسورية والعراق وتركيا ولبنان، حيث أصبحت المياه تستخدم أحيانًا كأداة ضغط سياسي، مما يزيد من تعقيد المشهد المائي الإقليمي.
كما أكد الأمين العام لسلطة وادي الأردن هشام الحيصة أن استراتيجية “وادي الأردن” ستضمن متابعة وضمان الحقوق المائية المشتركة وتعزيز جهود القطاع الخاص في إدارة مياه الري، مشيرًا إلى أن الملف المائي مع سورية، وتحديدًا في حوض نهر اليرموك، يعد من أكثر الملفات حساسية وإلحاحًا، نظرًا لاعتماد الأردن على هذا الحوض كمصدر رئيس لدعم منظومته المائية.

