عمان – تكشف الأدلة العلمية المتزايدة عن جوانب مقلقة تتعلق بالبلاستيك المعاد تدويره، حيث لم يعد يُعتبر حلاً بيئياً آمناً بل أصبح مصدراً محتملاً لمخاطر صحية معقدة تؤثر على الأنظمة الحيوية للإنسان كما تشير نتائج دراسات حديثة مدعومة بتحليلات مخبرية وتجارب على الكائنات الحية إلى أن هذا النوع من البلاستيك يخضع لمراجعة علمية دقيقة بعد إثبات قدرته على إحداث اضطرابات هرمونية وتمثيلية حتى عند التعرض لفترات قصيرة.

مع تزايد الأدلة على احتواء المواد المعاد تدويرها على مزيج واسع من المركبات الكيميائية السامة، تتعاظم الشكوك حول جدوى التدوير كحل لأزمة التلوث، في ظل محدودية نسب إعادة التدوير عالمياً واستمرار الاعتماد على أنماط إنتاج واستهلاك كثيفة للبلاستيك، خاصة الأحادي الاستخدام، وفق خبراء في الشأن البيئي والصحي. يعكس واقع الحال في الأردن صورة أكثر تعقيداً، حيث يتقاطع ارتفاع الاستهلاك مع ضعف البنية التحتية لإدارة النفايات، مما يوسع الفجوة بين الطموحات البيئية والإمكانات الفعلية، بحسب هؤلاء الخبراء. يفتح هذا المشهد باباً واسعاً لإعادة تقييم السياسات القائمة، والانتقال من التركيز على إدارة النفايات إلى معالجة جذور المشكلة عبر تقليل الإنتاج وتعزيز المسؤولية الصناعية، بما يتماشى مع التحولات العالمية الساعية للحد من التلوث البلاستيكي وآثاره المتزايدة على الصحة العامة والبيئة، وفقاً للخبراء.

تأثير على الأنظمة الحيوية

تشير دراسة جديدة أجرتها مجموعة من الباحثين في السويد وألمانيا، بما في ذلك مستشارو العلوم في شبكة القضاء على الملوثات الدولية (IPEN)، إلى أن المواد الكيميائية المنبعثة من البلاستيك المعاد تدويره يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على الأنظمة الحيوية، حتى عند التعرض لفترات قصيرة، وفق المستشار في الصحة العامة زياد العلاونة. أشار العلاونة إلى أن التجارب على يرقات الأسماك أظهرت أن هذه المواد تؤدي إلى اضطرابات في الهرمونات وعمليات التمثيل الغذائي للدهون، مما يدل على مخاطر محتملة على الصحة العامة. تلخص التأثيرات الصحية المهمة اضطراب الغدد الصماء، حيث يمكن للمواد الكيميائية في البلاستيك أن تعطل التوازن الهرموني الطبيعي، مما يؤثر على النمو والتكاثر والوظائف الحيوية. هناك أيضاً مخاطر على الصحة الإنجابية، إذ ترتبط هذه المواد بانخفاض الخصوبة، واضطرابات النمو لدى الأطفال، وتأثيرات سلبية على الجهاز التناسلي، كما تؤثر هذه المواد على استقلاب الدهون، مما يزيد من خطر الإصابة بالسمنة ومرض السكري.

مخاطر إضافية

شدد العلاونة على أن بعض المواد الكيميائية في البلاستيك مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان نتيجة اضطراب الخلايا والهرمونات، بل وتحدث تغيرات فسيولوجية وتراكم حيوي. أضاف أن تقارير علمية ومنظمات دولية ودراسات أظهرت أن إعادة تدوير البلاستيك استخدمت بشكل مضلل من قبل الصناعة، حيث أن نسبة التدوير منخفضة جداً، إذ عالمياً لم يُعاد تدوير سوى نحو 9% من البلاستيك، والباقي يُحرق أو يُطمر أو يتسرب إلى البيئة. من بين الأسباب التي أجملها العلاونة أن معظم البلاستيك غير قابل للتدوير فعلياً، في حين أن التدوير يعد مكلفاً وغير مجد اقتصادياً مقارنة بإنتاج بلاستيك جديد من النفط. شدد على أن التدوير لا يمكن تكراره بلا نهاية، حيث تتدهور جودة البلاستيك مع كل دورة، في حين أن الشركات دفعت بفكرة أن التدوير سيحل المشكلة، مما حول المسؤولية من المنتج إلى المستهلك.

أوضح العلاونة أن طريقة تضخيم تلك الفكرة جرت عبر حملات إعلامية ركزت على سلوك الفرد مثل فرز النفايات وإعادة التدوير، مع تجاهل حقيقة أن تصميم المنتجات نفسه يمنع التدوير، واستخدام شعار التدوير لتبرير زيادة الإنتاج بدل تقليله. ومع ذلك، أكد العلاونة أن التدوير يعد مفيداً في حالات محدودة، أي أنه جزء من الحل وليس الحل الأساسي، كونه يحتاج إلى أن يكون ضمن نظام أشمل يشمل تقليل الإنتاج وإعادة الاستخدام. أشار إلى أن إعادة تدوير البلاستيك ليست كذبة بحد ذاتها، لكنها تحولت إلى وهم مريح استخدمته الصناعة لإخفاء المشكلة الحقيقية، وهي الإنتاج المفرط للبلاستيك، فالحل الحقيقي يبدأ من تقليل الاستخدام من المصدر، وليس فقط محاولة إدارة النفايات بعد إنتاجها. استند العلاونة على تقرير الشبكة الدولية للقضاء على الملوثات (IPEN) الذي أظهر أن البلاستيك المعاد تدويره يحتوي على عدد كبير من المواد الكيميائية الخطرة، مما يثير مخاوف جدية حول سلامة إعادة التدوير.

تابع العلاونة بأن تحليل عينات من عدة دول كشف عن وجود 491 مادة كيميائية مختلفة، تشمل مبيدات وآثار أدوية ومواد صناعية سامة، كما أن البلاستيك يحتوي أصلاً على آلاف المواد الكيميائية المضافة أثناء التصنيع، وتضاف مواد أخرى خلال الاستخدام وإعادة التدوير، وهذه المواد يمكن أن تتحرر في جميع مراحل دورة حياة البلاستيك، مما يعرض الإنسان والبيئة لمخاطر صحية، خاصة أن بعضها مرتبط باضطرابات هرمونية وأمراض مثل السرطان ومشكلات الخصوبة واضطرابات الجهاز العصبي. كما يبين التقرير، الذي استند عليه العلاونة في تصريحاته، أن عملية إعادة التدوير نفسها تساهم في تفاقم المشكلة، إذ يتم خلط أنواع مختلفة من البلاستيك وإذابتها معًا، مما يؤدي إلى تكوين خليط غير متحكم فيه من المواد السامة ينتقل إلى المنتجات الجديدة. قد تتكون أيضاً مواد سامة جديدة أثناء هذه العمليات، مثل مركبات الديوكسين شديدة الخطورة، وتشير النتائج إلى أن مصادر التلوث تشمل عبوات المبيدات، والمنتجات الدوائية، ومستحضرات العناية الشخصية، وحتى النفايات الإلكترونية. ورغم أن تركيز هذه المواد قد يكون منخفضاً، فإن وجودها معاً قد يؤدي إلى تأثيرات سامة مجتمعة، كما يلفت التقرير إلى أن العاملين في قطاع إعادة التدوير معرضون لمخاطر صحية نتيجة التعامل المباشر مع هذه المواد أو استنشاقها أثناء العمليات الصناعية.

يخلص التقرير، الذي أشار إليه العلاونة، إلى أن إعادة تدوير البلاستيك، بالشكل الحالي، ليست حلاً فعالاً لأزمة التلوث البلاستيكي، بل قد تسهم في نشر المواد السامة. شهد الأردن ارتفاعاً ملحوظاً في استهلاك البلاستيك، خاصة في قطاع التعبئة والتغليف الذي يشكل ما يزيد عن 60% من الطلب على المواد البلاستيكية، كما ذكر. يُقدّر أن البلاستيك يمثل ما بين 11% إلى نحو 20% من إجمالي النفايات الصلبة في المملكة، في ظل معدل إنتاج نفايات يصل إلى نحو 1 كغم للفرد يومياً، ما يعكس نمط استهلاك مرتفع نسبياً، تبعاً له. يبرز الاعتماد الكبير على المنتجات أحادية الاستخدام، حيث يُقدّر أن الفرد يستهلك حوالي 500 كيس بلاستيكي سنوياً، مع طرح ما يقارب 100 مليون كيس في البيئة سنوياً، بحسب بيانات إحصائيات وزارة البيئة. ورغم هذا الحجم الكبير من الاستهلاك، برأيه ما تزال قدرة الأردن على إدارة النفايات البلاستيكية محدودة، إذ تتراوح نسبة إعادة التدوير بين 5% و10% فقط، ويعتمد جزء كبير منها على القطاع غير الرسمي، وليس على نظام وطني متكامل.

نتيجة لذلك، يتم التخلص من معظم النفايات البلاستيكية عبر الطمر في المكبات، ما يحد من فرص الانتقال نحو اقتصاد دائري فعال، وتظهر الدراسات أيضاً ضعفاً في سلوكيات الفرز وإعادة التدوير على مستوى الأفراد، حيث لا تتجاوز نسبة الممارسين المنتظمين لهذه السلوكيات 3.8%. تتفاقم هذه التحديات في ظل محدودية البنية التحتية وضعف الأطر التنظيمية وارتفاع معدلات النمو السكاني والاستهلاك، مما يؤدي إلى زيادة الضغط على أنظمة إدارة النفايات، بحسب العلاونة. بناءً على ذلك، بين أن وضع البلاستيك يعكس في الأردن فجوة واضحة بين مستويات الاستهلاك المرتفعة والقدرة المحدودة على الإدارة المستدامة، الأمر الذي يستدعي تبني سياسات أكثر صرامة تشمل تقليل الإنتاج وتعزيز مسؤولية المنتج وتوسيع أنظمة إعادة الاستخدام والتدوير، بما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو الحد من التلوث البلاستيكي.

نوه العلاونة إلى دراسة للشبكة الدولية للقضاء على الملوثات (IPEN) التي تتناول وجود مثبطات اللهب المبرومة السامة في منتجات استهلاكية مصنوعة من البلاستيك المعاد تدويره في 11 دولة عربية وأفريقية، من بينها الأردن. اعتمدت الدراسة على تحليل 434 عينة من منتجات مثل ألعاب الأطفال وأدوات المطبخ وإكسسوارات الشعر واللوازم المكتبية، حيث تم اختيار المنتجات البلاستيكية السوداء بشكل خاص لكونها غالباً مصنوعة من نفايات إلكترونية معاد تدويرها. أظهرت النتائج، كما لخصها العلاونة، أن الغالبية العظمى من المنتجات تحتوي على مواد كيميائية سامة تُعرف بمثبطات اللهب المبرومة (BFRs)، بما في ذلك مواد محظورة عالمياً. كشفت الدراسة أن 61 من أصل 83 منتجاً تتجاوز الحدود المقترحة للنفايات الخطرة، مما يعني أن جزءاً كبيراً من هذه المنتجات يُفترض تصنيفه كنفايات سامة وفق اتفاقية ستوكهولم، وتبين أن أعلى التراكيز وُجدت في ألعاب الأطفال، ما يثير قلقاً خاصاً. كما أظهرت النتائج وجود مستويات مرتفعة من الديوكسينات المبرومة في بعض المنتجات، وهي مواد شديدة السمية تُقارن مستوياتها بتلك الموجودة في النفايات الخطرة أو رماد الحرق الصناعي، وقد بينت الدراسة أن تعرض الأطفال لهذه المواد عبر اللعب قد يتجاوز الحدود الصحية الآمنة بعدة مرات.

ترجع الدراسة، بحسب العلاونة، سبب وجود هذه المواد السامة إلى استخدام البلاستيك المعاد تدويره من النفايات الإلكترونية والمركبات القديمة، حيث تحتوي هذه المواد أصلاً على مثبطات لهب تُعاد إدخالها في منتجات جديدة دون رقابة كافية.

إعادة التدوير قضية ساخنة

من وجهة نظر الخبير في الشأن البيئي د. محمد الخشاشنة، فإن إعادة تدوير البلاستيك تعد من القضايا الأكثر سخونة في العالم، ورغم أهمية الدور الهام الذي تؤديه الصناعة البلاستيكية، فإن المبالغة في ترسيخ ثقافة الاستهلاك لأحادي الاستخدام منها بات أمراً مقلقاً. استند إلى رأيه أن 50% من إنتاج البلاستيك يستخدم لمرة واحدة فقط، والذي كان مدفوعاً من قبل أصحاب هذه الاستثمارات التي ترى في ضرورة التخلص بسرعة كبيرة من المنتجات البلاستيكية المستهلكة، مما يسارع في إنتاج أجرى جديدة وبشكل أكبر. لفت الخشاشنة إلى أن استخدام البلاستيك في الأردن شهد نمواً مضطرداً، في ضوء أن المواد البلاستيكية وجزئياتها متناهية الصغر تعد خطيرة لأنها تتسرب لجسم الإنسان وسلسلته الغذائية. أضاف أن 50% من نسيج الأسماك أصبح يحتوي على البلاستيك، لأنه يتغذى عليه عندما يُلقى في البحار ويتحلل إلى جزئيات صغيرة. ما يثير الاهتمام، بحسبه، هو ما نشرته الكاتبة الأميركية بيث جاردينر بأن القوى الصناعية المؤثرة دفعت باتجاه اعتماد العالم أكثر على استخدام المواد البلاستيكية، لتصل معدلاته إلى نحو 500 مليون طن في العام. ورغم أن هذه القوى شددت على أن هناك حلاً للتعامل مع قضية البلاستيك عبر تدويره، إلا أن هذه النسبة لم تتعدى 9% فقط لغاية عام 2017، أي خمسين مليون طن من أصل 500 مليون طن تُنتج، حيث يذهب ما تبقى إلى مكبات النفايات، وفقاً له.

لفت إلى أن دراسة حديثة أُجريت في جامعة نيو مكسيكو على عينات دماغية لـ24 شخصاً توفوا عام 2024، إذ قُدِّر أن أدمغة هؤلاء احتوت في المتوسط على نحو سبعة جرامات من البلاستيك، أي ما يعادل ملعقة بلاستيكية كاملة. أشار إلى أن نتائج الدراسة تشير إلى أن المصابين بالخرف كانت أدمغتهم تحتوي على كميات أكبر مقارنة بغير المصابين، مؤكداً أن الأمر ما يزال في إطار الارتباط لا السببية. لا يقتصر الأمر على ذلك، إذ أكد على أن الدراسة ذاتها تشير إلى أن أدمغة المتوفين حديثاً احتوت على بلاستيك بنسبة تقارب 50% أكثر مما وُجد لدى من توفوا قبل ثمانية أعوام. مع خفض الطلب على الوقود الأحفوري، والتحول للطاقة المتجددة، تذهب الشركات النفطية إلى تعويض هذا الأمر برفع الطلب العالمي على الصناعة الكيميائية التي ينتج منها البلاستيك، والتي تتجاوز العشرة آلاف مادة، منها ألف مادة تصنف على أنها خطرة، وممكن استبدالها، بحسبه.

تابع قائلاً إن ذلك يتضح في النقاشات التفاوضية التي تجرى حالياً لوضع إطار عالمي للحد من التلوث البلاستيكي، حيث تذهب الدول النامية إلى التشديد على أهمية المعالجة والتدوير والاعتماد على مسؤولية المنتج الممتدة. ما زالت المجموعات الصناعية في هذه المفاوضات تصر على تدوير النفايات فقط للبلاستيكية، من غير التطرق لدورة حياة هذه المادة والتعامل معها أو الحد من استخدامها، وفق الخشاشنة. وعندما يتحسن الدخل في الدول، أكد الخشاشنة على أن نسب الاستخدام للمواد البلاستيكية تتزايد، فعلى سبيل المثال، نسبة التغليف البلاستيكي في الدول المتقدمة تتجاوز 50% في أميركا، مقارنة بـ15% في الأردن. تنامي هذه الظاهرة يشكل عبئاً على الدول للتخلص منها، حيث أن الأردن يدفع ما بين 50 إلى 60 ديناراً ككلفة للتخلص من المخلفات، في حين أن المتر المكعب الواحد لخلية الطمر التي تحفر يبلغ 7 دنانير وقد يصل إلى 10 دنانير، كما أفاد. شدد على أن الحكومات نقلت المسؤولية من التخلص للنفايات البلاستيكية إلى الصناعيين، والذي يندرج ضمن نظام مسؤولية المنتج الممتدة الذي يشهد رفضاً أو عرقلة من قبل المجموعات الصناعية، في حين أنه يعد من المحركات التي ستزيد من إعادة التدوير، مقابل تقليل الإنتاج. دعا الحكومات في الأردن والعالم إلى وقف ما أسماه بالتغول المتسع لهذه الصناعة، وتزايد الطلب على المواد البلاستيكية، وخاصة أحادية الاستخدام. أجمل التأثيرات البيئية للبلاستيك في ضعف خصوبة التربة، وتهديد حياة الحياة البحرية، وتلوث المياه، وتشويه المنظر الجمالي للأماكن العامة. يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً كبيراً في هذا الاتجاه عبر تصنيع بدائل جديدة عن الصناعات البلاستيكية في الأردن، مع تنفيذ برامج مسؤولية المنتج الممتدة في رأيه. بين أن التحرك على المستوى الوطني لا يكفي، إذ إن هناك فرصة أن يلعب الأردن دوراً قيادياً مع المجموعة العربية في الدفع باتجاه تبني اتفاقية دولية للحد من البلاستيك، تأخذ بعين الاعتبار دورة الحياة للمواد البلاستيكية.