بينما تثار تساؤلات حول غياب النقابات المهنية عن القضايا المعيشية الأساسية التي تمس حياة منتسبيها بشكل مباشر، يعبر نقابيون عن استغرابهم من هذا الابتعاد، إذ أن هذه النقابات أُسست لتكون سندًا للدولة وحامياً لحقوق العاملين في مختلف القطاعات، ويعزو بعضهم تراجع حضورها تدريجياً إلى انشغال قياداتها بالعمل السياسي على حساب الدور المهني، حيث يؤكد الخبراء أن هذا التحول أفقد النقابات الكثير من فعاليتها، مما جعل صناديق التقاعد عاجزة عن تحقيق أهدافها وتضاءل تأثيرها في تنظيم المهن والدفاع عن مصالح الأعضاء، بينما يرى آخرون أن مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي قد يشكل فرصة لإنقاذ ملف التقاعد وإعادة الاعتبار لدور النقابات، مشددين على أن العمل المؤسسي يحتاج إلى مواقف مدروسة ومسؤولية جماعية تعكس مصالح آلاف المنتسبين.
النقابات تفقد بوصلتها
في هذا السياق، أشار نائب نقيب الأطباء الأسبق الدكتور مؤمن الحديدي إلى أن النقابات المهنية التي أُسست عام 1952 كانت تهدف إلى تنظيم شؤون المهن والدفاع عن مصالح المنتسبين، إلا أن التجربة العملية أظهرت تراجعًا ملحوظًا في دورها، خاصة عندما تولت إدارتها شخصيات انشغلت بالعمل السياسي على حساب البعد المهني، مما أفقد النقابات بوصلتها وأدى إلى تشكيك كثيرين في كونها بيوت خبرة حقيقية، كما أضاف أن النقابات كانت في الأصل مظلة لحماية المهنة وضمان حقوق المنتسبين والمواطنين، وتوفير مكتسبات اجتماعية واقتصادية كالإسكان والتأمينات والتقاعد، لكن هذه الأدوار تراجعت بشكل كبير، حتى إن صناديق التقاعد بدت عاجزة عن تحقيق أهدافها، ورأى الحديدي أن مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي يشكل فرصة لإنقاذ ملف التقاعد، متمنيًا أن تستعيد النقابات دورها المؤثر في هذا المجال، مشيرًا إلى أن مجلس النقباء كان قبل أعوام يحظى بحضور فاعل وأعطى أملاً ملموسًا للناس، لكن هذا الدور تراجع أيضًا، ومع ذلك، أوضح الحديدي أنه يبرز اليوم بصيص رجاء في نهج رئيس الوزراء الساعي للحفاظ على مكتسبات الضمان الاجتماعي وتطويره بعدالة دون المساس بحقوق المنتسبين، متسائلًا عما إذا كانت الأحزاب تستطيع ملء هذا الفراغ، مؤكدًا أن المؤشرات لا توحي بذلك حتى الآن.
التحرك المؤسسي أكثر مسؤولية
بدوره، أكد رئيس اللجنة الإعلامية في نقابة الأطباء الدكتور حازم القرالة أن النقابة لم تغب يومًا عن القضايا المعيشية والمهنية التي تهم منتسبيها، مشيرًا إلى أن مجلس النقابة يضم ممثلين عن مختلف القطاعات الطبية، مما يجعلها أقرب إلى واقع الأطباء وتحدياتهم اليومية، وأوضح القرالة أن النقابة كانت وما تزال حاضرة في الميدان، تتواصل مع الجهات المعنية عبر الحوار والمتابعة، وتسعى لإيجاد حلول عملية تحفظ حقوق الأطباء وتراعي في الوقت ذاته المصلحة العامة واستقرار القطاع الصحي، وشدد على ضرورة التمييز بين التحرك الفردي والتحرك المؤسسي، فالأول قد يكون سريعًا ومباشرًا لكنه يفتقر إلى المسؤولية الجماعية، بينما الثاني أكثر وزنًا ويحتاج إلى دراسة دقيقة لأنه يعكس موقف آلاف الأعضاء، وأضاف أن أي قرار يصدر عن مؤسسة نقابية يجب أن يكون محسوبًا ومدروسًا، وأن يوازن بين مصالح المنتسبين والحفاظ على وحدة الصف، مؤكدًا أن الخطأ الفردي لا يوازي في أثره خطأ يصدر عن مؤسسة تمثل شريحة واسعة من الأطباء، وقال القرالة إن النقابة تعتمد خطوات تدريجية ومدروسة، لا تقتصر على المواقف الإعلامية، بل تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة تنعكس إيجابًا على ظروف الأطباء المهنية والمعيشية، مشددًا على أن النقابة ستظل قريبة من أعضائها، تتابع قضاياهم بجدية ومسؤولية، وتدافع عن حقوقهم، لأن تحسين بيئة العمل للأطباء وحماية مصالحهم هو جوهر دورها وسبب وجودها.
تراجع في الثقة
بدوره، أكد عضو مجلس نقابة أطباء الأسنان السابق الدكتور محمد أبو عرقوب أن النقابات المهنية فقدت جانبًا كبيرًا من دورها في الدفاع عن القضايا المعيشية لأعضائها، مشيرًا إلى أن عدة عوامل أسهمت في هذا التراجع، موضحًا أن أول هذه العوامل يتمثل في انحسار التمثيل السياسي للقوى الوطنية داخل النقابات إلى أدنى المستويات، مقابل بروز أشكال تمثيل قائمة على اعتبارات جهوية واجتماعية، وأضاف أن هذا التحول أخرج النقابات من إطارها الوطني الجامع الذي كان يعبر عن هموم المجتمع، وحولها إلى مواقع تتوزع وفق أولويات ضيقة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الخبرة النقابية الحقيقية المرتبطة بطبيعة القضايا الاجتماعية والاقتصادية، وأشار أبو عرقوب إلى أن القيود المفروضة على عمل النقابات دفعتها إلى تجنب المواجهة مع السياسات الحكومية، حفاظًا على الحد الأدنى من العلاقة معها، مما قلص من قدرتها على التأثير، كما أوضح أن ضعف التشريعات الناظمة للمهن أفقد النقابات سلطتها في تنظيم شؤونها، الأمر الذي انعكس على ثقة المنتسبين بها وأضعف شعبيتها، وبين أن غياب أدوات الضغط الفاعلة على الحكومات، إلى جانب تضارب المصالح بين النقابات نفسها، حال دون بلورة موقف موحد يعكس المطالب المعيشية المشتركة، ما أدى إلى مزيد من التشتت وفقدان القدرة على التأثير في السياسات العامة.

