تشهد العلاقات بين واشنطن وطهران تصاعدًا في التوترات مما يوجه الأنظار نحو القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط، ورغم أن بعض هذه القواعد تبدو بعيدة عن نطاق الصراع المحتمل، إلا أنها تشكل العمود الفقري لأي تحرك عسكري يهدف إلى الردع أو الاستعداد لمواجهة مفتوحة، حيث تعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها على شبكة مترابطة من المنشآت الجوية والبحرية والبرية في أوروبا وحوض المتوسط ومنطقة القوقاز، التي تشكل خطوطًا خلفية حاسمة لأي عملية عسكرية أو ردع بعيد المدى، مما يتيح لها محاصرة الاستراتيجية الإيرانية من زوايا غير مباشرة.

عززت الولايات المتحدة من جاهزية قواتها خلال السنوات الأخيرة عبر تحديث البنية التحتية العسكرية وزيادة أنظمة الدفاع الجوي ورفع وتيرة التدريبات المشتركة مع حلفائها الإقليميين، كما تلعب حاملات الطائرات والمجموعات القتالية البحرية دورًا مكملاً للقواعد الثابتة مما يمنح واشنطن مرونة في الانتشار وسرعة في الاستجابة لأي تطورات مفاجئة.

خطوات أمريكية لتطويق إيران

كشفت التقارير الدولية ومواقع التتبع الملاحية الجوية عن تحركات عسكرية جوية أمريكية وصفت بـ”الأضخم منذ عقود” منذ منتصف فبراير الجاري، حيث تم رصد جسر جوي متواصل يربط القواعد الجوية في الولايات المتحدة وأوروبا بمنطقة الشرق الأوسط، وفي خطوة تعكس استنفارًا عسكريًا غير مسبوق، سحب سلاح الجو الأمريكي نحو 40% من أسطوله العملياتي لطائرات الإنذار المبكر (AWACS)، إذ نُقلت 6 طائرات من أصل 16 طائرة من قاعدتي “إلمندورف” في ألاسكا و”تينكر” في أوكلاهوما إلى قاعدتي “ميلدنهال” البريطانية و”رامشتاين” الألمانية لتشكل “رأس حربة” في عمليات المراقبة والتحكم الجوي المتقدمة فوق أوروبا والشرق الأوسط.

كما رصدت مواقع التتبع مثل (FlightRadar24 وADS-B Exchange) عبور أكثر من 50 مقاتلة متطورة في غضون 48 ساعة فقط، حيث انطلقت 12 مقاتلة من طراز (F-22 Raptor) الشبحية الأكثر تطورًا في العالم من قاعدة “لانجلي – إيوستيس” في فرجينيا إلى قاعدة “ليكنهيث” البريطانية، وتعد هذه الطائرات المنصة الرئيسة القادرة على اختراق أكثر الأجواء تعقيدًا وتدمير “الطائرات المعادية” قبل رصدها، وتعمل الآن كمرتكز أولي قبل انطلاقها إلى القواعد المتقدمة في الشرق الأوسط لتأمين المظلة الجوية للعمليات.

شهد الجناح المقاتل رقم 48 المتمركز في بريطانيا استنفارًا شاملاً تمثل بانضمام أسراب من طائرات (F-35) التابعة للحرس الوطني من ولاية فيرمونت الأمريكية إلى التشكيلات المتجهة شرقًا، مما يخلق شبكة هجومية متكاملة، إذ تتميز هذه الطائرات بقدرتها على العمل كـ”مراكز بيانات طائرة” حيث تجمع المعلومات الاستخبارية من خلف الخطوط وتوزعها على بقية القطاعات الجوية والبحرية.

على الجبهة الأوروبية، تحركت أسراب السمور (Wild Weasel) المتخصصة من طراز (F-16) من قاعدتي “سبانغداهليم” في ألمانيا و”أفيانو” في إيطاليا تجاه الشرق الأوسط، وتكمن أهمية هذه الأسراب في “صيد الرادارات” وتحييد بطاريات الصواريخ الدفاعية، وتم رصد تعزيزات مكثفة لطائرات (A-10) الأمريكية المعروفة بلقب “الخنزير البري” في قاعدة “موفق السلطي” بالأردن، والتي توفر حماية مباشرة للقواعد الأمريكية والحليفة ضد أي تحركات برية أو زوارق سريعة أو هجمات صاروخية قصيرة المدى، وتعتمد الولايات المتحدة الأمريكية في طوقها الناري على طهران على مجموعة من القواعد المنتشرة حول العالم فيما يعرف بالحزام الإستراتيجي البعيد.

ما هي القواعد الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط؟

تعد القواعد البريطانية رأس حربة الجسر الجوي ومركز القيادة، إذ تلعب بريطانيا دورًا حاسمًا كنقطة انطلاق رئيسية ومحطة توقف إستراتيجية للطائرات الأمريكية المتجهة إلى الشرق الأوسط، وتشمل هذه القواعد:

قاعدة “لاكنهيث”: تُعد نقطة التجمع الرئيسية للمقاتلات الأمريكية، قاعدة “ميلدنهال”: تشكل القلب اللوجستي للجسر الجوي، قاعدة “فيرفورد”: تُعرف بكونها القاعدة الأمامية الوحيدة للقاذفات الإستراتيجية الأمريكية في أوروبا، وتنطلق منها طائرات التجسس عالية الارتفاع

قاعدة دييغو غارسيا

لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام بلاده للقاعدة العسكرية الموجودة في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي إذا اندلعت مواجهة عسكرية مع إيران، تكتسب دييغو غارسيا سمعتها كـ”حاملة طائرات لا تغرق” من دورها المحوري كمنصة انطلاق للقاذفات الإستراتيجية الثقيلة مثل “بي-52″، ولا تُعد القاعدة مهبطًا للطائرات العسكرية، بل محطة تتبع وإشارة فائقة الحساسية، تتيح للدول التي تستخدمها ممارسة ما يُعرف بـ”السيادة الاستخباراتية”.

تستضيف القاعدة شتى أنواع قاذفات الشبح الأمريكية، كما تضم أهم المنشآت اللوجستية والتسليحات الإستراتيجية، فضلا عن دورها التنسيقي بين أساطيلها البحرية والجوية في المنطقة الممتدة من المحيط الهندي ثم بحري العرب والأحمر.

القواعد في ألمانيا

تبرز القواعد الألمانية ألمانيا كحجر زاوية إستراتيجي لا يمكن لأي حملة عسكرية أمريكية أن تكتمل دونه، وبالرغم من بعدها الجغرافي عن مسرح العمليات المحتمل في إيران، فإن القواعد الأمريكية المتمركزة في ألمانيا تعمل كـ”قلب نابض” يضخ الإمدادات والأسلحة والطائرات التكتيكية وطائرات القيادة والسيطرة باتجاه الخليج العربي، ولا تقتصر أهمية هذه القواعد على كونها مجرد “محطات توقف”، بل هي مراكز قيادة متقدمة وعقد انطلاق متخصصة.

وبناء على مسار التحركات العسكرية الأخيرة المتجهة نحو الشرق الأوسط، نفصل دور أهم قاعدتين أمريكيتين في ألمانيا في سياق أي مواجهة مع إيران، قاعدة “رامشتاين” الجوية: المقر الرئيسي للقوات الجوية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، وتلعب دورًا محوريا كأهم عقدة ربط جوي ولوجستي واستخباراتي بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، قاعدة “سبانغداهلم” الجوية: بينما تتكفل رامشتاين بالمهام اللوجستية والقيادية، تلعب قاعدة “سبانغداهلم” دورًا قتالياً وتكتيكياً مباشراً وبالغ الأهمية في أي مواجهة مسلحة من خلال تدمير طائرات الدفاع الجوية المعادية وفتح الأبواب أمام القاذفات الإستراتيجية

القواعد في البرتغال

تبرز البرتغال -وتحديدًا جزر الأزور في المحيط الأطلسي- كحلقة وصل جيوإستراتيجية لا غنى عنها، فرغم بُعدها الجغرافي الشاسع عن الخليج العربي، تعمل الأراضي البرتغالية كـ”شريان حياة” وجسر رئيسي يربط البر الأمريكي بمسرح العمليات في الشرق الأوسط، وتشكل البرتغال ضمن منظومة حلف الناتو محطة رئيسية في إستراتيجية “الجسر الجوي” المستدام، إذ تضمن تدفق المقاتلات والقاذفات وطائرات التزود بالوقود بسلاسة، ومن أبرز القواعد الأمريكية في البرتغال قاعدة “لاجيس”:

قاعدة “لاجيس” في جزر الأزور محطة القفز الرئيسية: تُعد “درة التاج” في الوجود العسكري الأمريكي بالبرتغال، وتقع في موقع إستراتيجي مثالي وسط المحيط الأطلسي، وتبرز أهميتها كونها نقطة عبور المقاتلات الشبحية والتكتيكية، إذ تعمل القاعدة كمحطة توقف وتزود بالوقود ضرورية للمقاتلات الأمريكية التي لا تستطيع عبور المحيط الأطلسي في رحلة واحدة مباشرة، وتستخدم قاعدة لاجيس كمنصة انطلاق للمقاتلات قبل إكمال طريقها لتفكيك شبكات الرادار الإيرانية في حال اندلاع أي مواجهة

التكامل مع قواعد الناتو وعمليات التدريب المشترك: لا يقتصر الدور البرتغالي على الأزور فحسب، بل يمتد إلى استخدام المنشآت الأخرى ضمن التعاون المشترك في حلف الناتو، إذ تلعب القواعد البرتغالية دورًا في التنسيق الجوي والبحري العابر لأوروبا، إذ تندمج الرحلات العسكرية مثل رحلات المقاتلات الشبحية وطائرات التزود بالوقود التي تنطلق من البرتغال بشكل مباشر مع قواعد التمدد في الجوار مثل قاعدة مورون الإسبانية لإنشاء ممر جوي عسكري آمن ومستدام يعرف بـ”الجسر الجوي”

القواعد الأمريكية في إسبانيا.

أكدت حركة تتبُّع الطيران تشكيل مسار جوي مُنظم ينطلق من المملكة المتحدة والقارة الأوروبية، ليتجه جنوبًا فوق فرنسا وإسبانيا، وتبرز الأهمية الجيوإستراتيجية لشبه الجزيرة الإيبيرية، كونها تمثل “البوابة الغربية” للبحر الأبيض المتوسط، وتعمل كشريان عبور إستراتيجي لا غنى عنه لضمان تدفق الأصول العسكرية الأمريكية، خاصة مقاتلات الجيل الخامس المتطورة، من فوق المحيط الأطلسي إلى مسرح العمليات الأمامي، وتعتمد خطة “الجسر الجوي” المستدام التي ينفذها البنتاغون على القواعد الجوية الإسبانية كمحطات توقف وإعادة تجميع وانطلاق رئيسية، وتبرز قواعد إسبانية عدة في التحشيد العسكري الجاري، وهي:

قاعدة “مورون” الجوية: منصة التجميع والانطلاق نحو المتوسط، وتُعد إحدى أهم المحطات اللوجستية للقوات الجوية الأمريكية في أوروبا، وتلعب دورًا حاسمًا في تنظيم أسراب المقاتلات المتقدمة المتجهة نحو الشرق الأوسط، قاعدة “روتا” البحرية والجوية: محطة الطوارئ والدعم اللوجستي، وتقع على الساحل الأطلسي لإسبانيا بالقرب من مضيق جبل طارق، وتمثل عقدة ربط بحرية وجوية بالغة الأهمية، المجال الجوي الإسباني: الممر الآمن لـ”الجسر الجوي” نحو الشرق، إذ لا يقتصر الدور الإسباني على استضافة الطائرات على الأرض، بل يلعب المجال الجوي الإسباني دورًا محوريًا في مسار القوة الضاربة

قاعدة قونيا التركية

تعدّ تركيا لاعبًا ذا طبيعة مزدوجة ومعقدة، فبصفتها عضوًا إستراتيجيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وبوابته الشرقية المطلة على الشرق الأوسط، تتداخل أراضيها مع الجهود العسكرية الاستطلاعية للحلف، في الوقت الذي تقود فيه أنقرة جهودًا دبلوماسية مكثفة لنزع فتيل الأزمة مع طهران، وبناء على المعطيات المتوفرة وتفاصيل التحشيد الجوي، يتم توظيف القدرات الاستطلاعية والدبلوماسية المرتبطة بتركيا كالتالي.

قاعدة “قونيا” الجوية: إحدى القواعد المتقدمة لعمليات حلف الناتو الاستطلاعية، وإعادة نشر طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوا التابعة للناتو من طراز (E-3A Sentry AWACS) في هذه القاعدة يمنح الحلف والولايات المتحدة قدرة فائقة على مسح المجال الجوي المعقد للمنطقة

القواعد الأمريكية في آسيا والمحيط الهادي

إلى جانب أوروبا، تلعب قواعد في آسيا والمحيط الهادي دورًا بارزًا في الردع بعيد المدى، وهناك قواعد أمريكية في اليابان مثل كادينا ويوكوسوكا، توفر نقاط دعم جوية وبحرية يمكن أن تنسجم في سيناريوهات التصعيد لإعادة الانتشار أو دعم الأسطول الأمريكي، وتعد قاعدة غوام في المحيط الهادي منصة إطلاق للقاذفات الإستراتيجية البعيدة المدى، قادرة على الوصول إلى الشرق الأوسط بسرعة نسبية عبر المجال الجوي العالمي، مما يعزز خيارات الدعم والضربات الجوية الإستراتيجية.

القواعد الأمريكية في القوقاز وشمال الأطلسي والمتوسط

في القوقاز، يمثل استخدام المنشآت التدريبية والتعاون مع حلفاء قريبين من إيران شبكة دعم احتياطية لتوجيه الطائرات وإعادة تموضعها بعيدًا عن مسارات مباشرة، وهو ما يضمن استدامة العمليات ومراقبة المجال الجوي الإيراني من نقاط بعيدة، ويشمل الحشد العسكري الأمريكي شبكة عالمية من القواعد والممرات الجوية في أوروبا وحوض المتوسط والقوقاز وحتى أعماق المحيط الأطلسي، ويهدف إلى كشف وتتبع التحركات الجوية والبحرية الإيرانية وتوفير دعم اتصالات وقيادة وسيطرة متكاملة، بالإضافة إلى تمكين إعادة تموضع سريع للقوات الجوية بعيدًا عن مدى الصواريخ الإيرانية المحتملة، وتوفر هذه الشبكة العالمية مرونة تكتيكية وإستراتيجية وتعزز قدرة واشنطن وحلفائها على الضغط أو الردع أو شن ضربات جوية أو شاملة إذا دعت الحاجة.