كشفت دراسة صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية أن الحرب التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، واستمرت لعامين، أسفرت عن تداعيات عميقة ومركبة داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تمثلت هذه التداعيات في خسائر اقتصادية فادحة وتدهور ملحوظ في الصحة النفسية للسكان، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الهجرة وانخفاض معدلات المواليد، مما يعكس أزمة داخلية متفاقمة تتجاوز كلفة الحرب العسكرية إلى آثار اجتماعية وديموغرافية بعيدة المدى.
مؤشرات الحياة بعد حرب 7 أكتوبر
وبحسب المكتب المركزي للإحصاء، تُظهر البيانات التي تدرس الحياة بعد حرب 7 أكتوبر أن المزيد من الإسرائيليين يعتقدون أن حياتهم لن تتحسن، مع انخفاض معدلات الزواج، وارتفاع مستويات التوتر، وتراجع الثقة في الحكومة والمحاكم.
وتكشف دراسة الإحصاء بعنوان وجه المجتمع 2024، والتي عرضت مؤشرات اجتماعية واقتصادية وتركز على الأوضاع التي أعقبت حرب 7 أكتوبر 2023 ونشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت، تزايد الضغوط النفسية، وتراجع الأمن الشخصي في إسرائيل.
وتناولت الدراسة مجالات متعددة، تشمل التركيبة السكانية، والرعاية الاجتماعية، والتوظيف، والصحة، والأمن الشخصي، والجريمة والعدالة، والتعليم، والنقل، وحوادث الطرق.
الخسائر الاقتصادية وسوق العمل
اقتصاديًا، أفادت الدراسة أن قطاع السياحة الإسرائيلي تكبد خسائر كبيرة، إذ انهارت أعداد السياح الأجانب بنسبة تجاوزت 75% خلال 2024، فيما تراجعت ليالي المبيت السياحية بشكل حاد، بالتوازي مع ارتفاع ليالي المبيت للإسرائيليين نتيجة نزوح داخلي واسع النطاق.
كما تضرر سوق العمل مع استدعاء عشرات آلاف جنود الاحتياط، مما أدى إلى غياب آلاف الموظفين عن أعمالهم لفترات طويلة.
الأزمات النفسية والاجتماعية
وسجلت الدراسة ارتفاعًا حادًا في مؤشرات الضيق النفسي، حيث ارتفعت نسبة من أفادوا بمعاناتهم من الاكتئاب إلى نحو 34% في 2024، مقارنة بـ25% في العام السابق، فيما ارتفعت نسبة التوتر إلى قرابة 68%، وكانت النسب الأعلى في المناطق الحدودية، خصوصًا قرب غزة ولبنان.
كما كشفت الدراسة عن زيادة كبيرة في أعداد المصابين بإعاقات نفسية، سواء بين المدنيين في التجمعات المتضررة أو في صفوف الجنود، إذ ارتفع عدد المصابين بإصابات نفسية بين قدامى الجيش بنسبة تفوق 18% خلال عام واحد.
وأظهرت تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، حيث انخفضت الثقة بالحكومة إلى أدنى مستوياتها منذ نحو عقد، كما تراجعت الثقة بالجهاز القضائي.
الأمان الشخصي والهجرة الداخلية والخارجية
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مخاوف الإسرائيليين من الهجمات المسلحة، وتراجع الإحساس بالأمن الشخصي، لا سيما في مناطق الجنوب.
وعلى الصعيد الديموغرافي، سجل نزوح داخلي واسع شمل أكثر من 128 ألف شخص نهاية 2023، قبل أن ينخفض العدد جزئيًا في 2024.
وفي المقابل، ارتفعت الهجرة إلى الخارج، إذ غادر نحو 79,900 إسرائيلي خلال الحرب، في حين تراجع العائدون بنسبة تقارب 20%، مما يعكس حالة عدم يقين متزايدة بشأن المستقبل.
انخفاض معدلات الزواج والمواليد
كما أظهرت البيانات انخفاض عدد الزيجات بنحو 21% في الربع الأخير من 2023 مقارنة بالعام السابق، في مؤشر على تأثير الحرب على الاستقرار الاجتماعي.
أما معدلات الولادة، فرغم تسجيل نحو 180 ألف مولود في 2024، فقد شهدت تراجعًا ملحوظًا في منتصف العام، خاصة خلال شهري يونيو ويوليو.
آثار الحرب على المجتمع الإسرائيلي
وأشار التقرير إلى أن الحرب لم تقتصر آثارها على الخسائر العسكرية، بل أفرزت أزمة نفسية واقتصادية واجتماعية ممتدة، تهدد المجتمع في إسرائيل، في ظل تزايد مشاعر التشاؤم حيال المستقبل، واتساع الفجوات بين المناطق الآمنة وتلك المتأثرة مباشرة بالحرب.
وفي المحصلة، تكشف هذه الإحصاءات الرسمية نفسها حجم الثمن الباهظ الذي تفرضه السياسات العسكرية الإسرائيلية على المجتمع الإسرائيلي قبل غيره، إذ لم تؤدِ الحرب على غزة إلى تعزيز الأمن أو الاستقرار، بل أفضت إلى تفكك اجتماعي، وأزمات نفسية واسعة، وخسائر اقتصادية عميقة، وتزايد الهجرة وفقدان الثقة بالمستقبل والمؤسسات.

