عمان في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة والحرب القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني مع إيران وما تفرضه من حالة ترقب وقلق في المنطقة تكشف دراسة حول خيار التحول إلى التعليم عن بُعد لطلبة المدارس كإجراء احترازي يضمن استمرارية التعليم في مختلف الظروف ورغم انسجام هذا الطرح مع اعتبارات السلامة والحذر فإنه يثير تساؤلات حول جاهزيتنا لهذا التحول ومدى قدرة المنظومة التعليمية على مواجهة تحديات التعليم عن بُعد بفاعلية.

التحول عن بعد

خبراء في التربية يرون أن الوزارة استفادت من التجربة الأولى للتعلم عن بُعد لكنها كشفت عن نقاط سلبية كونها تجربة أولى مشيرين إلى أن التحول للتعليم عن بُعد لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد رد فعل ظرفي بل كأداة ضمن منظومة مرنة من السياسات التعليمية تضمن استمرار التعليم في ظروف استثنائية.

بيئة إلكترونية متطورة

وبينوا في أحاديث منفصلة لـ”الغد” أن الوزارة تمتلك حالياً بيئة إلكترونية خصبة وأدوات متطورة لدعم التعلم عن بُعد تشمل منصة “درسك” ومنصة “أجيال” التي يجري العمل عليها واستخدام منصة “سراج” كمساعد تعليمي لافتين إلى أن هذه المنصات توفر محتوى موحداً ومتزامناً للطلبة وتمثل أساساً لأي تطبيق منظم للتعلم عن بُعد إذا دعت الحاجة.

وأوضحوا أن التعليم عن بُعد لن يحل محل التعليم الوجاهي لكنه سيكون بديلاً اضطرارياً وضرورياً في الظروف الاستثنائية لذا من المهم أن يكون المعلم مستعداً ويطور قدراته ومهاراته ليتمكن من قيادة العملية التعليمية بكفاءة وفاعلية في هذا النمط من التعلم مشيرين إلى أن نجاح هذا التوجه يتطلب معالجة الفجوة الرقمية لضمان تكافؤ الفرص.

قرار سيادي

إلى ذلك قال الأمين العام لوزارة التربية والتعليم للشؤون التعليمية نواف العجارمة لـ”الغد” أمس إن قرار التحول عن بعد سيادي يعتمد على قرار إدارة المركز الوطني للأزمات والحكومة.

تناول تربوي مهني

الخبير فيصل تايه قال في ضوء ما تداولته مواقع إخبارية وما يجري من نقاش حول دراسة الحكومة خيار التحول إلى التعليم عن بُعد إن هذا الطرح يتطلب تناولاً تربوياً مهنياً ينسجم مع طبيعة القرار الاستراتيجي بعيداً عن الطرح الانفعالي أو الانطباعي.

وبين تايه أن التعليم ليس مجرد إجراء إداري يُدار بالروتين بل هو مشروع مجتمعي قائم على علم وفلسفة تربوية ويؤثر مباشرة في بناء الإنسان واستدامة التنمية لذلك يجب أن يرتكز أي قرار بتغيير نمط التعليم على قدرات النظام التربوي واستعداده الفعلي لتلبية احتياجات الطلبة دون المساس بجودة التعلم أو العدالة التعليمية.

وأضاف أن التحول إلى التعليم عن بُعد لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد رد فعل ظرفي بل كأداة ضمن منظومة مرنة من السياسات التعليمية تضمن استمرار التعليم في الظروف الاستثنائية فالأنظمة التعليمية الحديثة تقاس ليس فقط بمدى جودة مخرجاتها في الظروف الطبيعية بل بقدرتها على إدارة الأزمات وإيجاد بدائل تحفظ حق الطالب في التعلم دون انقطاع.

وعي بأهمية البدائل

واعتبر تايه أن دراسة هذا الخيار في المملكة يعكس وعياً بأهمية وجود بدائل تنظيمية تحافظ على انتظام العام الدراسي وتحد من الفاقد التعليمي مضيفاً أن هذا النقاش لا ينبع من فراغ تقني بل من أرضية رقمية تعليمية قائمة يمكن البناء عليها فوجود منصة “درسك” التي أطلقتها الوزارة لتقديم الدروس المرئية وفق المنهاج الوطني نقطة ارتكاز عملية لأي انتقال منظم نحو التعليم عن بُعد إذ توفر محتوى تعليمياً موحداً للطلبة مما يقلل زمن الاستجابة ويعزز العدالة في وصول المعرفة.

ومع ذلك فإن توظيف المنصة بكفاءة يتطلب الانتقال من مفهوم “إتاحة المحتوى” إلى مفهوم “إدارة التعلم” بما يشمل آليات تفاعل مباشرة ومتابعة دورية وتقييمات إلكترونية دقيقة مضيفاً أن هذا التحول لا ينبغي أن يضع العبء كله على المنصة وحدها بل يستدعي تطوير أدوار الكوادر التربوية فالمعلم في بيئة التعليم عن بُعد ليس ناقلاً للمعلومة فقط بل ميسراً لعلاقات تعلمية تفاعلية مصمماً لأنشطة تشجع على التفكير والتحليل ومقيماً بعناية.

استثمار في التدريب المهني

ولفت تايه إلى أن الاستثمار في التدريب المهني المستمر للمعلمين على استخدام أدوات التعليم الرقمي يشكل ضرورة لضمان بيئات تعلمية محفزة بحيث تصبح الحصص الافتراضية فضاءات للتفاعل والمراجعة وليس مجرد إعادة للدروس المسجلة.

وأكد أن نجاح هذا التوجه يتطلب معالجة الفجوة الرقمية لضمان تكافؤ الفرص فلا يمكن الحديث عن تعليم عن بُعد عادل إذا لم تتوافر لدى الطلبة المعدات الأساسية أو إمكانية اتصال مستقر بالإنترنت أو إذا لم تكن لدى الأسرة القدرة على دعم تعلم أبنائها مشيراً إلى أن العدالة التعليمية هنا لا تعني مجرد إتاحة المنصات الرقمية بل ضمان استفادة الطلبة الفعلية منها دون تمييز اجتماعي أو اقتصادي.

وشدد تايه على أن أي تحول نحو التعليم الرقمي يجب أن يواكبه تطوير نظام تقويم تربوي يتناسب مع بيئة التعلم الرقمية يسمح بالانتقال من قياس الحفظ والاسترجاع إلى قياس الفهم العميق وحل المشكلات والتفكير النقدي وإذا أُحسن تصميم أدوات التقييم الرقمي فإن التعليم عن بُعد يمكن أن يتحول إلى فرصة لإصلاح أحد أبرز تحديات النظام التعليمي وهو نظام الامتحانات التقليدية.

بناء الثقة المجتمعية

وأكد تايه أهمية بناء الثقة المجتمعية في هذا التحول فأي تغيير يحتاج لخطاب واضح يشرح الأسباب والمبررات ويطمئن أولياء الأمور بأن جودة التعليم لن تتراجع وأن المتابعة الأكاديمية ستكون دقيقة والدعم الفني والتربوي متاح مبيناً أن الاستثمار في البنية الرقمية التعليمية لا يخدم مرحلة آنية فقط بل يسهم بإعداد جيل يمتلك مهارات رقمية ومعرفية تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

ونوه تايه إلى أن التعليم عن بُعد ليس غاية في ذاته بل وسيلة لتحقيق تعلم فعال وعادل وآمن ويمكن أن يتحول من خيار اضطراري إلى رافعة تطوير حقيقية تعزز مرونة وقدرة منظومتنا التعليمية على مواجهة تحديات المستقبل.

قرار صائب

وقال الخبير محمد أبو عمارة إن الظروف الحالية والتطورات السياسية والحروب في الدول المجاورة تشكل ضغطاً نفسياً على الطلبة بخاصة وأن الأخبار المستمرة وإنذارات الطوارئ المتكررة تخلق حالة ذعر وخوف للأطفال لذلك فإن التوجه نحو التعليم عن بُعد قرار صائب في ظل الظروف الراهنة انطلاقاً من مبدأ أن السلامة والصحة أهم من أي شيء آخر.

وأضاف أبو عمارة أن الخبرة السابقة خلال جائحة كورونا حينما جرى تحويل التعليم من وجاهي إلى تعليم عن بُعد كانت تجربة قسرية وصعبة في بدايتها نظراً لعدم جاهزية المدارس الحكومية والخاصة والوزارة بشكل كامل وهذه المسألة لم تكن مقتصرة على الأردن بل كانت واقعاً مشتركاً لمعظم دول العالم حيث لم تكن منظومات التعليم جاهزة للتحول الفوري من التعليم الوجاهي إلى الرقمي.

وأشار إلى أن التجربة استمرت لعامين لكنها أسست قاعدة قوية من الخبرة واليوم في حال الحاجة لتحويل التعليم مؤقتاً إلى التعلم عن بُعد فستكون العملية أسهل بكثير فالمدارس الآن أكثر جاهزية والمنصات الرقمية مثل “درسك” طورت عدة مرات وأصبحت ناضجة وتصل لكل الطلبة بطريقة فعالة مما يتيح للمعلمين إيصال المعلومة بطريقة سلسة وللطلبة استخدام المنصة بسهولة كما هو الحال في المدارس الخاصة التي تعتمد برامج تربوية رقمية متقدمة.

وأكد أبو عمارة أن التحول الآن من التعليم الوجاهي إلى التعلم عن بُعد لن يشكل صعوبة كبيرة سواء للمدارس الحكومية أو الخاصة طالما أن الهدف هو سلامة الطلبة النفسية والجسدية وحماية أسرهم من حالة القلق التي تنتج عن وجود الطفل خارج المنزل في هذه الظروف وهذا التحول إذا تم سيكون قصرياً ومؤقتاً مع إمكانية العودة إلى التعليم الوجاهي فور انتهاء الظروف الطارئة.

وشدد على أن أي صعوبات محتملة مثل ضعف الإنترنت أو عدم إلمام بعض المعلمين بالتطبيقات الرقمية يمكن تجاوزها عبر تأهيل المعلمين بسرعة لضمان قدرتهم على إدارة العملية التعليمية عن بُعد بفعالية داعياً المعلمين والمعلمات لتطوير مهاراتهم في التعليم الرقمي فالمستقبل سواء في ظل الأزمات أو دونها سيتجه لدمج التعلم عن بُعد والتقنيات الحديثة بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ضمن أنماط التعليم المعتمدة عالمياً.

وأضاف أبو عمارة أن التعليم عن بُعد لن يحل محل التعليم الوجاهي لكنه سيكون بديلاً اضطرارياً وضرورياً في الظروف الاستثنائية لذلك من المهم أن يكون المعلم مستعداً ويطور قدراته ومهاراته ليتمكن من قيادة العملية التعليمية بكفاءة وفاعلية في هذا النمط من التعلم.

التفاعل الفعلي من المعلمين

الخبير عايش النوايسة قال إن الوزارة استفادت بشكل كبير من التجربة الأولى للتعلم عن بُعد والتي أظهرت ملاحظات مهمة ونقاط سلبية نتجت عن كونها تجربة لأول مرة مضيفاً أن الدراسات حينها أفرزت وجود فاقد تعليمي كبير ما دفع الوزارة لاحقاً لتنفيذ برامج تدخل علاجي لمعالجة هذا الفاقد بما في ذلك تمديد العام الدراسي لفترة محددة في السنوات السابقة.

وبيّن النوايسة أن الوزارة تمتلك بيئة إلكترونية خصبة وأدوات متطورة لدعم التعلم عن بُعد تشمل منصة “درسك” ومنصة “أجيال” التي يجري العمل عليها بالإضافة إلى استخدام “سراج” كمساعد تعليمي لافتاً إلى أن هذه المنصات توفر محتوى موحداً ومتزامناً للطلبة وتمثل أساساً لأي تطبيق منظم للتعلم عن بُعد إذا دعت الحاجة.

وأشار النوايسة إلى أن نجاح التعلم عن بُعد يعتمد على التفاعل الفعلي من المعلمين ومتابعتهم للطلاب بالإضافة لمتابعة أولياء الأمور لأبنائهم موضحاً أن دور المعلمين لا يقتصر على تقديم المحتوى فقط بل يشمل تقديم الدعم الفني والتربوي وإدارة التعلم بشكل مباشر إلى جانب متابعة المشرفين التربويين لضمان التفاعل الفعّال كما أشار إلى أن استجابة الطلبة تختلف إذ لم يكن جميعهم قادرين على استخدام الأجهزة أو الاتصال بالإنترنت بشكل متساوٍ مما يتطلب مراعاة الفروق الفردية في التعلم.

وأضاف أنه في حال اللجوء للتعلم عن بُعد أقترح أن يكون محدوداً جزئياً لبعض المواد غير الأساسية بينما يجب أن يبقى التعليم المباشر داخل الصفوف للمواد الأساسية مثل العلوم واللغات التي تتطلب تفاعلاً مباشراً بين المعلم والطالب كما ينبغي أن يكون التعلم الرقمي متزامناً للمواد الأساسية مع التركيز على قنوات اتصال فعّالة وتواصل مباشر لضمان جودة العملية التعليمية.

وبين النوايسة أن التجربة السابقة أظهرت التحديات وحجم العبء المالي والتشغيلي للمنصات التعليمية وأكدت أن أي تحول كامل للتعلم عن بُعد يجب أن يكون محسوباً ومدروساً مع التركيز على معالجة الفجوات التعليمية واستثمار التجارب السابقة لضمان تفعيل هذا النمط بطريقة متوازنة وفعّالة بما يحقق التعلم المستمر دون المساس بجودة التعليم.