أظهرت دراسة “كميّة” أجرتها مؤسسة أناليسيز (Analyseize) للدراسات والأبحاث قلقًا متزايدًا بين الأردنيين بشأن استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي حيث رصدت الدراسة توافقًا كبيرًا في عينة بلغت 1471 مستجيبًا بضرورة فرض قيود وإجراءات لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي.

اضافة اعلان.

تناولت الدراسة التي تم عرض نتائجها في جلسة حوارية خاصة بمشاركة ممثلين عن وسائل الإعلام المخاطر المرتبطة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي على الأطفال من وجهة نظر الأهالي والمجتمع حيث تم جمع البيانات خلال الفترة من 20 كانون الأول 2025 إلى 10 كانون الثاني 2026 وشملت جميع محافظات المملكة.

حملت الدراسة عنوان “المخاوف الرقمية في الأردن: تصورات الرأي العام حول وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي” وقد تم إطلاقها بالتزامن مع اليوم العالمي “للانترنت الآمن” الذي يصادف اليوم

تُعتبر قضية استخدام الأطفال واليافعين لمواقع التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي من الاتجاهات الهامة التي تثير اهتمام الرأي العام العالمي وحكومات الدول حيث بدأت بعض الحكومات في اتخاذ خطوات نحو حظر أو تقييد وصول الأطفال إلى هذه المواقع بناءً على دراسات علمية توثق الأضرار الناجمة عن ذلك وفقًا لمعايير مجتمعية وأخلاقية ونفسية وتربوية.

حتى الآن لم تعلن أي دولة عربية أو في شمال إفريقيا عن تشريعات أو قرارات تحظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بناءً على العمر بينما أعلن مجلس الوزراء عن تشكيل “لجنة وطنية” هي الأولى من نوعها لحماية الأطفال من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي.

أظهرت الدراسة أن غالبية العينة تؤيد “التوافق الواضح على فرض ضوابط قانونية وإجراءات وقائية لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي” حيث أيّد 90% من المشاركين سنّ تشريع يقيّد وصول الأطفال بعمر 15 عامًا فما دون إلى وسائل التواصل الاجتماعي بينما بلغت نسبة التأييد لتنظيم استخدام الأطفال لأدوات الذكاء الاصطناعي 87% مما يعكس إجماعًا على الحاجة إلى أطر تنظيمية رسمية لحماية الأطفال في البيئات الرقمية.

تشكل النساء 51% من إجمالي المستجيبين بينما يمثل الذكور 49% وأفاد أكثر من نصف المشاركين بأن لديهم أطفالًا.

تراوحت الفئات العمرية للعينة بين 15 وأكثر من 65 عامًا إلا أن الغالبية العظمى تركزت في الفئة العمرية 25-34 عامًا.

تظهر النتائج فجوة واضحة بين الأجيال في كيفية إدراك المخاطر الرقمية وتحديد أولوياتها حيث يركز البالغون، وخاصة الأهالي، على المخاطر الخارجية والسلوكية مثل التعرّض لمحتوى غير مناسب والاستغلال أو التحرّش عبر الإنترنت بينما يُبدي الأطفال والمراهقون اهتمامًا أكبر بالأبعاد النفسية الداخلية بما في ذلك تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصورة الذاتية والضغوط المرتبطة بالحضور الدائم على الإنترنت مما يعكس اختلاف التجارب الرقمية بين البالغين والأطفال.

في هذا السياق يرى 88% من المشاركين أن الأطفال دون سن الثانية عشرة غير قادرين على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأمان بينما عبّر 86% عن رفضهم لاستخدام الأطفال بعمر 15 عامًا فما دون لهذه المنصات دون رقابة كما تشير النتائج إلى توافق واسع على أن الاستخدام المستقل لوسائل التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يبدأ قبل منتصف أو أواخر مرحلة المراهقة مع بروز سن السابعة عشرة بوصفه العمر الأكثر قبولًا.

تكشف الدراسة عن مستويات مرتفعة من القلق إزاء تعرّض الأطفال لمحتوى غير مناسب والتنمر الإلكتروني والعزلة الاجتماعية حيث أفاد 85% من المشاركين بقلقهم من أن يؤدي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلى إضعاف العلاقات المباشرة أو زيادة الانعزال الاجتماعي وعند سؤال المشاركين عن أبرز ثلاثة مخاطر تصدّر التعرّض لمحتوى غير مناسب القائمة يليه الاستغلال أو التحرّش عبر الإنترنت ثم الإدمان على الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.

بالتوازي مع ذلك أعرب أكثر من 80% من المشاركين عن قلقهم من تأثير الذكاء الاصطناعي على تعلم الأطفال وقدرتهم على اتخاذ القرار بينما قال 81% إنهم قلقون من أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تقليص التفاعل الواقعي أو زيادة العزلة الاجتماعية وكما هو الحال مع وسائل التواصل الاجتماعي سجّل البالغون مستويات قلق أعلى من المراهقين عبر معظم مؤشرات المخاطر مما يعزز وجود فجوة عمرية في تقييم آثار التقنيات الرقمية.

في المقابل تكشف الدراسة عن استخدام فعلي ومتزايد للذكاء الاصطناعي لا يقتصر على التعليم والعمل والترفيه حيث أفاد 47% من المشاركين باستخدامه للبحث عن معلومات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية بينما قال 37% إنهم لجأوا إليه لطلب نصيحة أو دعم عاطفي أو مشورة شخصية وأفاد 23% باستخدامه للتعبير عن مشاعر لا يشعرون بالراحة في مشاركتها مع الآخرين ويتركز هذا الاستخدام بشكل خاص بين الفئات العمرية الأصغر حيث قال 40% من الشباب بعمر 15 إلى 24 عامًا إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للتعبير عن مشاعرهم مقارنة بـ7% فقط بين من تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر مما يشير إلى تحول الذكاء الاصطناعي إلى مساحة بديلة للدعم النفسي لدى شريحة من الشباب.

تظهر النتائج تصوّرًا واضحًا للمسؤولية حيث يرى غالبية المشاركين أن الأهل هم الجهة الأساسية المسؤولة عن حماية الأطفال رقميًا إلى جانب دور محوري متوقّع للمدارس في تقديم برامج التوعية الرقمية وأظهر المشاركون دعمًا واسعًا لإجراءات وقائية عملية تشمل تحديد وقت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتقييد نوعية المحتوى المتاح للأطفال.

تأتي هذه الدراسة ضمن توجه أوسع لدى مؤسسة أناليسيز نحو مشاركة البيانات والتحليلات بصورة أكثر انفتاحًا دعمًا للنقاش العام وصنع السياسات القائمة على الأدلة.

أشارت المؤسسة إلى أن الدراسة أجريت في ظل الانتشار الواسع لاستخدام الانترنت في الأردن حيث تصل نسبة الأسر التي لديها اتصال بالانترنت 96.5% وأن 97.5% من هذه الأسر لديها هواتف ذكية.

يأمل القائمون على الدراسة أن تسهم نتائجها في نقل الحوار حول الأطفال والتكنولوجيا الرقمية من مستوى الانطباعات العامة إلى فهم أعمق يستند إلى الأرقام والواقع المعاش ويأخذ بعين الاعتبار اختلاف تجارب وتصورات البالغين والأطفال بما يدعم قرارات أكثر وعيًا لحماية الأجيال القادمة.