مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، يتزايد الاهتمام بفهم كيفية تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الملف الإيراني، حيث تبرز تساؤلات حول إمكانية استخدامه استراتيجيات تجارية تتعلق بوقف تخصيب اليورانيوم وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية مقابل صفقات اقتصادية قد تفتح آفاق الاستثمار الأميركي في السوق الإيراني.
يبدو أن هذا الاحتمال، رغم جاذبيته التجارية، يواجه تحديات استراتيجية وأمنية معقدة، تتضمن ضغوطاً من الكيان الصهيوني وقيوداً داخلية في الولايات المتحدة، مما يفتح المجال لسيناريوهات متنوعة تتراوح بين الدبلوماسية والمواجهة العسكرية.
وقد أفادت تقارير غربية بأن إيران تتطلع لتقديم مقترحات لأميركا تشمل استثمارات في القطاع النفطي الإيراني مقابل إلغاء العقوبات المفروضة عليها، بينما يشير مراقبون إلى أن ذلك لم يثنِ الولايات المتحدة عن اتخاذ خطوات ضد النظام الإيراني بدعم من الكيان الصهيوني.
إنهاء 3 ملفات أساسية مع إيران
في هذا السياق، صرح رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات بأن جزءاً من المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران يتضمن عروضاً اقتصادية كبيرة تقدمها إيران للولايات المتحدة، مشيراً إلى أن هذه العروض قد تمنح واشنطن فوائد اقتصادية إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل.
كما أكد أن الاتفاق النووي المبرم عام 2015 لم يحقق للولايات المتحدة امتيازات اقتصادية ملموسة، حيث استفادت الدول الأوروبية من معظم المكاسب، وهو ما تسعى إيران لتغييره اليوم من خلال فتح المجال أمام الاستثمارات الأميركية في مجالات حيوية مثل البنية التحتية وتحديث الأسطول المدني الجوي ومشاريع الطاقة والنقل.
وأضاف أن إيران تأمل أن تدفع الخلفية الاقتصادية والتجارية لترامب إلى قبول صفقة اقتصادية واسعة تمنح الشركات الأميركية الأولوية في السوق الإيراني، خاصة بعد أن شعرت طهران بخيبة أمل من الدعم الأوروبي في مواجهة العقوبات.
ومع ذلك، شدد شنيكات على أن الكيان الصهيوني لا ينظر إلى هذه المفاوضات من منظور اقتصادي، بل يركز على ثلاثة ملفات رئيسية: البرنامج النووي الإيراني، برنامج الصواريخ الباليستية، وعلاقة طهران بوكلائها في المنطقة
وأكد أن هذه القضايا تشغل اهتمام الكيان، وأنه يسعى لإنهاء هذه الملفات بشكل كامل بعيداً عن أي ترتيبات تجارية أو اقتصادية، مشيراً إلى أن التأثير الصهيوني على الإدارة الأميركية لا يزال قوياً وحاسماً في العديد من الملفات، مما قد يؤثر على الموقف الأميركي النهائي من أي صفقة محتملة مع إيران.
وشدد على أن المفاوضات الحالية تكشف عن تباين واضح بين أولويات واشنطن الاقتصادية ورؤية إسرائيل الأمنية، وهو ما سيحدد في النهاية مسار العلاقة بين الأطراف المعنية.
عقلية السوق تحت ضغط السلاح
في هذا السياق، أكد المحلل السياسي والاستراتيجي د. منذر الحوارات أن المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران تبدو وكأنها تُدار بعقلية السوق، لكنها تجري في ظل تهديدات عسكرية وضغوط هائلة، مما يصعّب على ترامب المساومة على جوهر القضايا الاستراتيجية، رغم سعيه لتحقيق مكاسب اقتصادية يمكن تسويقها داخلياً.
وأوضح أن الولايات المتحدة لا تزال في مرحلة “ما قبل القرار النهائي”، حيث يبقى الخيار العسكري مطروحاً على الطاولة، حتى وإن قدمت إيران بعض التنازلات.
وتابع أن واشنطن قد تستخدم الضربة العسكرية كوسيلة لإعادة ترتيب المفاوضات وفرض مزيد من الضغوط على طهران للحصول على تنازلات إضافية.
وأشار إلى أن الأميركيين يعتبرون أي محاولة إيرانية لاستبدال الشروط الاستراتيجية بصفقة اقتصادية واسعة مجرد مناورة، لافتاً إلى أن واشنطن قد تقبل بتجميد جزئي لبعض أنواع الصواريخ بعيدة المدى أو تقليص مراحل التخصيب النووي مقابل فتح السوق الإيراني أمام الاستثمارات الأميركية بعقود طويلة الأمد.
وشدد على أن هناك قيوداً داخلية تحد من قدرة ترامب على تقديم تنازلات جوهرية، حيث يرفض الكونغرس والمؤسسة الأمنية الأميركية أي تخلي صريح عن سياسة الردع تجاه إيران.
واعتبر أن الكيان يضغط بقوة على الإدارة الأميركية، ويصر على إبقاء حرية الضربة العسكرية قائمة، ويتمسك بثلاثة ملفات أساسية: البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، وشبكة الوكلاء الإقليميين لإيران
وأضاف أن الكيان قد يلجأ لتنفيذ ضربة منفردة، مما قد يورط الولايات المتحدة في مواجهة أوسع، بينما يسعى ترامب لاستثمار الحشد العسكري الأميركي في الخليج لإظهار قوة بلاده، ليس فقط ضد إيران بل أيضاً في مواجهة أطراف أخرى في المنطقة.
وأكد أن فكرة استبدال الردع الأميركي بصفقة اقتصادية تبدو أقرب لمناورة إيرانية ذكية لكنها لن تحسم الموقف، مشيراً إلى أن الحل يتطلب تنازلات واضحة ومحددة من جانب إيران في ملفات البرنامج النووي والصاروخي، ثم في علاقاتها مع وكلائها الإقليميين لاحقاً.
الحرب أمام العروض الاقتصادية
من جانبه، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد أن الرئيس الأميركي لن يقدم تنازلات لإيران في ملفات استراتيجية حساسة مثل الصواريخ الباليستية أو البرنامج النووي، رغم العروض الاقتصادية التي طرحتها طهران لفتح أبواب الاستثمار أمام الشركات الأميركية.
ولفت إلى أن موازنة الأمن القومي الأميركي مع المصالح الاقتصادية تجعل من الصعب قبول هذه العروض، خاصة في ظل التهديدات الإيرانية للمصالح والقواعد الأميركية في المنطقة.
وأشار إلى أن المفاوضات الأخيرة في جنيف لم تحقق تقدماً ملموساً، رغم تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التي وصفها بأنها محاولة لحفظ ماء الوجه أكثر من كونها مؤشراً على اختراق حقيقي.
وأضاف أن غياب أي إشارات إيجابية من جانب واشنطن يعكس تراجع الثقة بالخيار الدبلوماسي، مقابل تزايد احتمالات اللجوء إلى الخيار العسكري.
وقال إن الحشد العسكري الأميركي في محيط إيران لم ينخفض، بل اتخذ طابعاً يوحي بالتحضير لحملة واسعة قد تستهدف بنية النظام الإيراني، وليس مجرد عملية محدودة.
وأكد أن الكيان لن يقبل بصفقة اقتصادية بين واشنطن وطهران على حساب مصالحه الأمنية، فيما يدفع جناح اليمين المتشدد داخل الحزب الجمهوري، مثل السيناتور ليندسي غراهام، باتجاه عمل عسكري مباشر.
وأضاف أن البيئة الداخلية في إيران تعاني من حالة تشرذم بينما البيئة الإقليمية لم تعد قادرة على كبح جماح واشنطن، في وقت باتت فيه البيئة الدولية أقرب إلى الاصطفاف مع الموقف الأميركي.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي صنف الحرس الثوري منظمة إرهابية، فيما أبدت الصين مرونة أكبر بعد تفاهمات مع واشنطن بشأن ملف تايوان، كما بدا أن روسيا دخلت في مقايضة تتعلق بتسريع المفاوضات حول أوكرانيا.
وشدد على أن الولايات المتحدة استكملت تقريباً عناصرها العسكرية والسياسية والاقتصادية لشن عملية ضد إيران، مما يجعل الخيار العسكري أكثر ترجيحاً من أي تسوية دبلوماسية في المرحلة الحالية.

