عمان تواجه الأردن تحديات جوهرية في أجندتها الحضرية نتيجة لضعف التنسيق بين المستويات المختلفة ومحدودية الموارد المالية المخصصة للتنمية الحضرية وفق تقرير أممي صدر مؤخرًا حيث يشير التقرير إلى أن نقص البيانات الدقيقة في بعض القطاعات يحد من القدرة على التخطيط طويل الأمد مما يستدعي تعزيز أنظمة جمع البيانات وتحديثها بشكل مستمر وتبرز أيضًا تحديات مرتبطة بالنمو الحضري السريع والطلب المتزايد على الإسكان والخدمات في ظل الضغوط الاقتصادية والإقليمية والعالمية مما يجعل تحقيق التوازن بين النمو والاستدامة مهمة معقدة بالنسبة للأردن.
تجربة عمان
في الوقت الذي تتسارع فيه التحديات الحضرية عالميًا من تغير المناخ إلى الضغوط السكانية والاقتصادية تبرز تجربة العاصمة الأردنية عمان كإحدى النماذج اللافتة في تطبيق مضامين الأجندة الحضرية الجديدة وفق ما كشفه التقرير الأممي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات الموئل ويظهر التقرير أن الأردن عبر عمان لم يكتفِ بتبني التوجهات العالمية نظريًا بل عمل على ترجمتها إلى سياسات وأدوات تنفيذية ركزت بشكل رئيسي على بناء القدرات المؤسسية وتعزيز التخطيط الحضري القائم على البيانات بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة خاصة الهدف الحادي عشر المتعلق بالمدن المستدامة.
تعزيز القدرات المؤسسية
أشارت نتائج التقرير إلى أن أحد أبرز محاور التجربة الأردنية تمثل بتعزيز القدرات المؤسسية لإنتاج المراجعات المحلية الطوعية وهي تقارير تعد على مستوى المدن لقياس التقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وقد ساهمت هذه الخطوة في تحويل العمل الحضري من إطار نظري إلى منظومة عملية قائمة على التقييم والمتابعة المستمرة وجاء في التقرير أن هذه المراجعات لم تكن مجرد أداة تقنية بل شكلت منصة لتقوية العلاقة بين المستوى المحلي والوطني عبر تحسين التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة وتعزيز الشفافية في عرض التحديات والإنجازات.
كما ساهمت برامج بناء القدرات بتمكين الكوادر المحلية من تطوير أدوات تخطيط حضري أكثر تكاملًا قادرة على التعامل مع التعقيدات المتزايدة في المدن سواء المرتبطة بالنمو السكاني أو بالضغوط البيئية.
نتائج التجربة الأردنية
وأفرزت التجربة الأردنية كما يرصدها التقرير مجموعة من النتائج المهمة التي انعكست على طريقة إدارة المدن أبرزها تعزيز الترابط بين السياسات الوطنية والمحلية بما يضمن اتساق الخطط الحضرية مع الأهداف التنموية الكبرى للدولة وهو ما ساعد على تقليل الازدواجية في السياسات وتحسين كفاءة التنفيذ ويضاف إلى ذلك القدرة على تطوير أطر للرصد الحضري تعتمد على البيانات الأمر الذي مكن صناع القرار من اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة بدلًا من التقديرات التقليدية خاصة في مجالات مثل الإسكان والخدمات الأساسية.
ومن بين النتائج كذلك التي أوردها التقرير تعزيز التخطيط الشامل الذي يراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي والبيئي في آن واحد ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الحضرية خاصة للفئات الأكثر هشاشة كما ساهمت هذه الجهود في خلق بيئة أكثر ملاءمة لتجريب سياسات حضرية جديدة تعتمد على الابتكار والتكامل بين القطاعات بدلًا من العمل ضمن أطر منفصلة.
الأهداف الإستراتيجية
وتسعى التجربة على صعيد المملكة ضمن إطار الأجندة الحضرية الجديدة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية التي تتقاطع مع الأولويات العالمية أبرزها تعزيز الوصول إلى السكن الملائم وضمان توفير الخدمات الأساسية لجميع السكان بما يحد من الفجوات الاجتماعية داخل المدن كما تركز الأهداف على بناء مدن قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية من خلال تبني سياسات بيئية مستدامة وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
ومن بين الأهداف كذلك تعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار الحضري بما يضمن إشراك مختلف الفاعلين من مؤسسات حكومية وقطاع خاص ومجتمع مدني في رسم مستقبل المدن.
توصيات التقرير
ولم يكتفِ التقرير برصد الواقع بل قدم مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تسريع تنفيذ الأجندة الحضرية في الأردن كضرورة تعزيز التكامل بين المستويات المحلية والوطنية لضمان تنفيذ السياسات بشكل أكثر كفاءة وتجنب التداخل في الأدوار كما أوصى بإنشاء أنظمة بيانات حضرية متطورة تتيح جمع وتحليل المعلومات بشكل دوري بما يدعم اتخاذ القرار ويعزز المساءلة.
وشدد التقرير على أهمية الاستثمار في بناء القدرات سواء من خلال التدريب أو تبادل الخبرات مع مدن أخرى بما يتيح الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة ومن التوصيات أيضًا تعزيز الشراكات سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي والدولي باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تحقيق التحول الحضري الشامل.
إمكانات التعميم
وتجربة العاصمة عمّان كما يعرضها التقرير لا تقتصر أهميتها على المستوى المحلي بل تحمل إمكانات للتعميم على مدن أخرى في المنطقة العربية خاصة في ظل تشابه التحديات التي تواجهها بحسب نتائج التقرير ويؤكد التقرير أن نجاح هذه التجربة يعتمد بشكل أساسي على استمرار الالتزام السياسي وتوفير الموارد اللازمة وتعزيز ثقافة العمل التشاركي إلى جانب الاستثمار في المعرفة والبيانات.
وفي ظل الوصول إلى منتصف الطريق نحو تحقيق أهداف الأجندة الحضرية الجديدة تبدو الحاجة ملحة لتسريع وتيرة العمل وتحويل النجاحات الجزئية إلى تحولات شاملة تضمن بناء مدن أكثر عدالة واستدامة تبعًا للتقرير ذاته ويخلص التقرير إلى أن تجربة الأردن في تطبيق الأجندة الحضرية الجديدة تكشف عن تحول تدريجي من التخطيط التقليدي إلى نهج أكثر تكاملًا ومرونة قائم على البيانات والشراكات وبينما تحققت إنجازات مهمة في مجالات الحوكمة والتخطيط تبقى التحديات قائمة ما يستدعي مضاعفة الجهود لضمان تحقيق الأهداف المنشودة وتؤكد التجربة الأردنية أن المدن ليست فقط مواقع للتحديات بل يمكن أن تكون أيضًا منصات للحلول إذا ما توفرت الإرادة السياسية والقدرات المؤسسية والرؤية الإستراتيجية الواضحة كما جاء في التقرير.

