عمان لا يزال العنف القائم على النوع الاجتماعي يشكل تحديًا ملحًا في حياة اللاجئات والفتيات في ظل استمرار النزوح السوري وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الأسر اللاجئة وفقًا للمجموعة العاملة المعنية بحماية الأطفال والعنف القائم على النوع الاجتماعي في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن.
تشير معطيات الحماية إلى أن النساء والفتيات يتعرضن لأنماط متعددة من العنف تشمل الإيذاء النفسي والاعتداء الجسدي والعنف الأسري والزواج المبكر والقسري مما يؤدي إلى حرمانهن من الموارد والفرص الاقتصادية وتقييد قدرتهن على اتخاذ القرار داخل الأسرة وفي المجال العام.
تظهر البيانات أن 26 % من اللاجئات المتزوجات أفدن بتعرضهن للعنف من أزواجهن بينما قالت 42 % منهن إنهن يفضلن الصمت أو محاولة حل حوادث العنف داخل الأسرة بدل اللجوء إلى آليات الدعم الرسمية.
يعكس هذا المؤشر وفق مختصين بالحماية استمرار فجوات الوصول إلى خدمات الدعم وما يرافقها من مخاوف مرتبطة بالوصمة الاجتماعية أو فقدان مصادر الدخل أو التداعيات الأسرية بالإضافة للاعتبارات الثقافية التي تدفع كثيرات لإبقاء العنف “شأنًا خاصًا” لا يُفصح عنه.
تبرز في هذا السياق العوائق التي تحول دون الوصول للخدمات كأحد التحديات الأساسية التي تواجه النساء والفتيات سواء بسبب القيود الاجتماعية التي تحد من الحركة وطلب المساعدة أو بسبب نقص المعلومات حول الخدمات المتاحة وكيفية الوصول إليها أو نتيجة محدودية انتشار الخدمات المتخصصة في بعض المناطق لاسيما في المجتمعات البعيدة عن مراكز تقديم الخدمات أو في البيئات التي تشهد ضغطًا كبيرًا على مقدمي الخدمة.
توضح التقارير أن الأماكن العامة والخاصة على حد سواء قد تشكل مواقع محتملة للعنف مما يزيد من تعقيد جهود الحماية ويعزز الحاجة لمقاربات وقائية أشمل لا تكتفي بالاستجابة للحالات بعد وقوعها بل تعالج عوامل الخطر في المجتمع والبيت والمدرسة ومحيط العمل وتبني تدخلات تستند إلى الأدلة وتستهدف تغيير السلوكيات وتعزيز المساءلة.
بين مخاطر العنف والاستغلال لا تقتصر التحديات على النساء والفتيات إذ يواجه الأطفال اللاجئون أيضًا طيفًا واسعًا من المخاطر المرتبطة بظروف النزوح الممتد.
تشمل هذه المخاطر العنف والإيذاء والاستغلال والإهمال وعمالة الأطفال إلى جانب العنف المنزلي والجنسي وما ينجم عن ذلك من آثار طويلة الأمد على السلامة النفسية والاجتماعية للأطفال فضلاً عن مخاطر الانفصال الأسري وما يتصل به من هشاشة في شبكات الحماية والدعم.
تشير تقارير الحماية إلى أن أطفالًا قد يتعرضون كذلك للاستغلال والاعتداء الجنسي مما يجعل حماية الأطفال محورا رئيسا في الاستجابة الإنسانية في الأردن بخاصة مع تعقد البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالأسر اللاجئة وارتفاع الضغوط التي تدفع أسرًا إلى خيارات قاسية تتعلق بالعمل المبكر أو التسرب المدرسي أو تزويج القاصرات.
في هذا الإطار يظل زواج الأطفال مصدر قلق متواصل لا سيما ضمن بعض مجتمعات اللاجئين.
الحاجة لتنسيق الحماية وفقًا للتقرير فإن تداخل هذه التحديات وتشابكها يفرض ضرورة تعزيز التنسيق بين برامج حماية الطفل ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي للتعامل مع المخاطر المتزايدة التي تواجه النساء والأطفال مما شكل خلفية القرار المتعلق بدمج مجموعتي العمل المعنيتين بحماية الطفل والعنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن هيكل تنسيقي موحد.
يهدف هذا التنسيق لضمان استمرارية الخدمات التي تركز على الناجين والأطفال والحفاظ على مسارات إحالة آمنة ومعايير موحدة للحماية في مواقع الاستجابة بما يضمن اتساق التدخلات وتقليل الفجوات.
كما يُنتظر أن يسهم التنسيق في تعزيز الوقاية القائمة على الأدلة وتخفيف المخاطر وتحسين التخطيط للبرامج عبر مراحل النزوح والعودة وإعادة الإدماج.
وبموجب آلية الدمج سيعمل فريق العمل المعني بحماية الطفل ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي تحت مظلة فريق العمل المعني بالحماية كمنصة تنسيق موحدة تجمع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والمحلية العاملة في مجال الحماية مما يتيح مواءمة السياسات والإجراءات وتبادل المعلومات وإسناد القرارات إلى قراءات مشتركة للاحتياجات والفجوات.
يأتي دمج المجموعتين وفق التقرير استجابة لاعتبارات عملية واستراتيجية في مقدمتها انخفاض التمويل الإنساني وتراجع عدد مقدمي الخدمات مما دفع جهات عاملة لتعزيز التنسيق وتوحيد الجهود لتجنب الازدواجية وتعظيم أثر الموارد المحدودة.
يفترض أن ينعكس ذلك عبر استجابة أكثر تكاملا تشمل تعزيز إدارة الحالات وتوحيد التدريب بين الجهات الشريكة وتحسين أنظمة جمع البيانات وتحليلها مما يتيح رسم صورة أدق عن واقع المخاطر واتجاهاتها.
نصف اللاجئين أطفال يأتي ذلك في وقت يواصل فيه الأردن استضافة أحد أكبر تجمعات اللاجئين في العالم بالنسبة لعدد السكان إذ يبلغ عدد اللاجئين المسجلين حاليا 436,880 من جنسيات متعددة غالبيتهم من سورية تليها العراق واليمن والسودان والصومال وحتى مستهل العام الحالي بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين بالمملكة 413,430 يعيش 79.4 % منهم في المجتمعات المضيفة بالمحافظات بينما يقيم 20.6 % في مخيمات اللاجئين.
تظهر البيانات أن الأطفال يشكلون نحو نصف اللاجئين المسجلين بينما تمثل النساء والفتيات نحو النصف الباقي مما يعكس طبيعة النزوح العائلي الممتد ويرفع من كلفة الاستجابة على مستوى الخدمات والبرامج التي تتطلب تصميما حساسا للعمر والنوع الاجتماعي والسياق.
وخلال الفترة بين كانون الأول (ديسمبر) 2024 وبداية الشهر الماضي عاد أكثر من 182,800 لاجئ سوري من الأردن إلى سورية وكانت العودة متوازنة لحد كبير بين الجنسين حيث شكلت النساء والفتيات 49 % من العائدين مقابل 51 % من الرجال والفتيان.
كما بلغ الأطفال دون الـ18 من العمر 42 % من إجمالي العائدين وهي نسبة أقل قليلا من نسبتهم بين اللاجئين المسجلين في الأردن والبالغة 49.5 %.
غير أن التقرير يلفت إلى مؤشر شديد الحساسية يتعلق بأن 43 % من اللاجئين الذين عادوا إلى سورية العام الماضي قاموا بذلك عبر تحركات عائلية متقطعة أو جزئية إذ يعود بعض أفراد الأسر بينما يبقى آخرون في الأردن مما يضاعف مخاطر تفكك الأسر وتعقيد أوضاع الحماية للأطفال والنساء ويطرح تحديات إضافية أمام الخدمات من حيث المتابعة واستمرارية الإحالة والدعم.
ومع دخول الأزمة السورية عامها الـ15 في 2026 ما يزال نحو 5.5 مليون لاجئ سوري يبحثون عن الأمان في دول الجوار فيما يؤدي النزوح المطول لتفاقم مواطن الضعف لدى اللاجئين والمجتمعات المضيفة في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد والبنية التحتية والخدمات العامة في الأردن.
تحذر الجهات العاملة في قطاع الحماية من أن الظروف الاقتصادية الصعبة واختلال توازن القوى في الأسر بالإضافة إلى الأعراف الاجتماعية السائدة قد تسهم في زيادة مخاطر العنف والاستغلال خصوصا ضد النساء والفتيات مما يعزز الحاجة لاستجابة متكاملة للحماية تضع النساء والأطفال في صلب الأولويات باعتبارهم الأكثر عرضة للمخاطر في سياق النزوح الطويل.

