عمان – في سياق التحضيرات للاجتماع المرتقب لمجلس السلام الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يتضح أن فعالية هذا المجلس قد تكون محدودة في ظل استمرار الأعمال العدوانية للكيان الصهيوني في غزة، مما يعيق أي جهود تهدف إلى وقف التصعيد وإعادة الإعمار في القطاع.
يرى خبراء سياسيون أن الكيان لا يزال مصمماً على تقويض جهود إعادة إعمار غزة وفتح معبر رفح، مما يعكس تصلباً قد يحول دون تحقيق المجلس لأي خطط فعالة نحو إرساء الهدوء، إلا إذا تدخلت الولايات المتحدة وفرضت شروطاً تتماشى مع ما نادت به اتفاقية إنهاء الحرب على غزة، والتي أدت إلى دعوة ترامب لتأسيس المجلس
كما أشار الخبراء إلى أن فعالية المجلس قد تواجه عوائق ناجمة عن القصور الدولي في تنفيذ الاتفاقيات السابقة بين الفلسطينيين والكيان، حيث لم يتمكن المجتمع الدولي من تقديم المساعدات اللازمة للغزيين، مما يثير تساؤلات حول قدرة المجلس على تحقيق أي تقدم ما لم تكن هناك إرادة دولية متوافقة مع الولايات المتحدة لوقف تصعيد الكيان
تتزايد المخاوف من أن الاجتماع المرتقب بين ترامب ونتنياهو قد لا يسفر عن نتائج ملموسة، حيث سبق أن اجتمع الجانبان، لكن الأحداث التي تلت تلك الاجتماعات شهدت تصعيداً في الأعمال العدوانية بغزة
اجتماع بلا نتائج ملموسة
في هذا السياق، أكد المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي د. منذر الحوارات أن اجتماع مجلس السلام قد لا يؤدي إلى نتائج ملموسة بشأن إعادة إعمار غزة أو تحقيق السلام، في ظل استمرار العدوان، موضحاً أن انعقاد الاجتماع في هذا التوقيت قد يهدف لإظهار تقدم شكلي للأطراف المعنية، مما قد يعطي انطباعاً للفاعلين الدوليين، خاصة الولايات المتحدة، بوجود نية جدية لإطلاق عملية إعادة الإعمار
أوضح الحوارات أن الرسالة من الاجتماع موجهة للمانحين والمستثمرين المحتملين، لإقناعهم بأن هناك تحركاً أميركياً بالتعاون مع شركائها لإعادة إعمار القطاع، مشدداً على أن أي عملية إعادة إعمار لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار العدوان، وأن ما يجري لا يتجاوز كونه إطاراً نظرياً للعملية المستقبلية، مثل خطط الحكومة المحلية أو سيناريوهات وقف إطلاق النار
أشار الحوارات إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على الضغط على الكيان إذا أرادت، إلا أن القرار النهائي يبقى بيد الكيان الذي لن يتراجع عن غزة إلا مقابل أثمان سياسية وأمنية أكبر، مضيفاً أن التعويل على الاجتماع لا يتجاوز الجانب النظري، حيث يمكن أن يشكل أرضية لإعداد خطة مستقبلية، لكنه لا يغير من واقع الاعتداءات المستمرة على المدنيين
اعتبر الحوارات أن الحديث عن إعادة إعمار واسع النطاق في ظل غياب المساعدات الفعلية غير واقعي، مشيراً إلى أن التعهدات السابقة بإدخال الكرفانات والمستلزمات الصحية لم تُنفذ حتى الآن
وأضاف أن أي نقاش لا يتضمن آليات واضحة للانسحاب ووقف العدوان سيكون مضيعة للوقت، حيث أن الحقائق على الأرض لا تشير إلى وجود بيئة تسمح ببدء إعادة إعمار جدي في غزة
إلى ذلك، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات أن ما يُسمى بـ”مجلس السلام” وفقاً لتوصيف ترامب، لن يكون قابلاً للتفعيل إلا بالتخلص من حركة حماس وسلاحها، موضحاً أن هذا الهدف يمكن أن يتحقق عبر المفاوضات أو العمليات العسكرية، وهو ما يتضح من تصريحات قادة الكيان التي تركز على فكرة التدمير تحت ذريعة مواجهة حماس
أضاف شنيكات أن مفهوم إعادة الإعمار في تصور الاحتلال لا يتطابق مع المفهوم التقليدي، بل يأخذ طابعاً هندسياً وسياسياً لا يشترط الحفاظ على البنية السكانية، مشيراً إلى أن فتح معبر رفح أمام الخارجين أكثر من الداخلين يعكس توجهاً نحو تقليص عدد السكان، مما يثير مخاوف من وجود نية للتهجير، مؤكداً أن استمرار عمليات التدمير وتأجيل إعادة الإعمار يفتح الباب أمام احتمالية التهجير بشكل ضمني
خطوة إعلامية أكثر منها عملية
في حين قال الخبير د. عمر الرداد إن اجتماع مجلس السلام المقرر في 19 شباط (فبراير) الحالي يحمل طابعاً إعلامياً أكثر من كونه خطوة عملية، خاصة بالنسبة لترامب الذي يسعى لإبراز صورة إنجاز سياسي، موضحاً أن ملف إعادة الإعمار يواجه إشكاليات جوهرية، أبرزها الجهة التي ستتولى التمويل ومدى قبول نتنياهو ببدء الإعمار قبل تنفيذ شرط تسليم السلاح
أضاف الرداد أن إعادة الإعمار باتت مشروطة بصفقة يُقال إن حماس وافقت عليها، تشمل التخلي عن السلاح، مما يجعل الحديث عن الإعمار أقرب لخطاب إعلامي أو وعود مرتبطة بتبرعات دولية
أشار الرداد إلى أن المشروع الأميركي قد يبدأ في منطقة رفح، لكنه ليس بمفهوم الإعمار الشامل، بل في إطار تحسين الظروف المعيشية، مقارنة بالمناطق الغربية من غزة التي تخضع لسيطرة حماس، مشدداً على أن إعادة الإعمار بالمعنى الحقيقي كما يُروج له إعلامياً، غير واردة في 19 شباط ولا بعده، إلا إذا ارتبطت بشروط واضحة تتعلق بموافقة نتنياهو على الصفقة المطروحة
تحولات مقبلة متوقعة
بدوره، أكد الباحث والمحلل السياسي جهاد حرب أن انعقاد مجلس السلام، في حال حدث، قد يفتح الباب أمام تحولات مهمة في المرحلة المقبلة، موضحاً أن أبرز القضايا المطروحة تتعلق بجمع الأموال المخصصة لإعادة إعمار القطاع وتمكين لجنة التكنوقراط من مباشرة عملها بإعادة تنظيم الإدارة العامة هناك، فضلاً عن تحسين البنية التحتية لبدء مشاريع إعادة البناء
أشار حرب إلى أن هذه الملفات تسير بالتوازي مع قضية نزع السلاح، ومع فكرة نشر قوة دولية لحفظ الاستقرار، وهي خطوات ما تزال مرهونة بمدى قدرة الإدارة الأميركية على إطلاق المرحلة الثانية من مسار وقف الحرب
أضاف أنه حتى الآن لم تُفعل قوة دولية في غزة، كما أن لجنة التكنوقراط لم تبدأ عملها فعلياً
وبشأن موقف الاحتلال، فإن العمليات العسكرية ستستمر، سواء عبر ما يسميه الكيان “عمليات جراحية” تستهدف شخصيات قيادية، أو عبر ضربات للبنية التحتية لفصائل فلسطينية أخرى
اعتبر حرب أن هذا النهج يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأمنية للاحتلال، من سياسة الردع إلى التدخل الاستباقي، استناداً لتقديرات أو معلومات استخبارية قد لا تكون مؤكدة، مما يشبه إلى حد كبير ما يجري على الجبهة اللبنانية من اغتيالات وهجمات متكررة
كشف موقع “أكسيوس” الأميركي أن البيت الأبيض يعتزم عقد اجتماع لما يُعرف بـ”مجلس السلام” الخاص بقطاع غزة في 19 الشهر الحالي، ونقل عن مصدر في الكيان الصهيوني أن رئيس وزرائه المتطرف بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب سيجتمعان في 18 من الشهر ذاته في واشنطن، وذلك قبل انعقاد المجلس
وبحسب تقرير الموقع، فإن نتنياهو وافق على دعوة ترامب لانضمام الكيان للمجلس، لكنه لم يوقع بعد على الميثاق المرتبط به، كما سيبحث الاجتماع المرتقب ملف إعادة إعمار غزة، في ظل استمرار قصف الاحتلال لمناطق القطاع، مما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، ووفقاً للإحصاءات الرسمية في غزة، بلغ عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي 576 شهيداً، بينما وصل عدد المصابين إلى 1.543، أما الحصيلة التراكمية منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد ارتفعت إلى 72.027 شهيداً و171.651 إصابة، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.

