عمان – في سياق النتائج التي أظهرتها الدراسات الوطنية الحديثة التي أعلن عنها المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، والتي أكدت أن منهاج اللغة العربية المطور يحتاج إلى دعم إضافي في تطبيقه داخل الغرف الصفية، تبرز تساؤلات مهمة في الأوساط التعليمية حول كيفية ضمان فعالية التطبيق وتحقيق نتائج ملموسة في تعلم الطلاب.

في هذا الإطار، يشدد خبراء التربية على ضرورة وجود نظام متكامل يشمل تدريبًا نوعيًا للمعلمين وأنشطة صفية غنية وتقويمًا أصيلاً قائمًا على الأداء، بالإضافة إلى إجراءات داعمة على مستوى النظام التعليمي لتخفيف الأعباء الإدارية عن المعلمين مما يتيح لهم المجال للإبداع والتطوير المهني.

وقد أشار الخبراء في تصريحاتهم إلى أهمية متابعة التطورات في طرائق تدريس اللغة العربية وتفعيلها داخل الغرف الصفية، مع ضرورة نقل أثر الخبرات التعليمية المكتسبة إلى الزملاء في المدارس المختلفة لتعزيز ثقافة التطوير المهني المستدام.

كما أكدوا أن قوة المنهاج تعتمد على المعلم القادر على تطبيقه بفعالية داخل الصف، مشددين على أهمية المتابعة الدورية وإجراء دراسات ميدانية منتظمة لتزويد مركز تطوير المناهج بتغذية راجعة علمية حول نقاط القوة والضعف في المناهج وأساليب التدريس، مما يساهم في تحقيق تطوير علمي مستدام وسد الفجوات بين التخطيط والتنفيذ.

الحاجة لخطة تدريب.

في هذا السياق، يبرز الخبير التربوي جلال الرحامنة أهمية توظيف نتائج الدراسات بشكل فعّال من خلال خطة متكاملة ترتكز على برامج تدريب نوعية للمعلمين، وإعداد أدوات تقييم واقعية ومتنوعة، وتفعيل أنشطة صفية مبتكرة تشجع الطلاب على المشاركة والتفكير النقدي.

ويشير الرحامنة إلى أن تطوير تدريس المادة يتطلب مجموعة من الإجراءات العملية التي تركز على تمكين المعلم باعتباره العنصر الأساسي في نجاح أي منهاج مطور.

كما شدد على أهمية تزويد معلمي اللغة العربية بأساليب حديثة تساعدهم على تقديم المحتوى بما يتناسب مع أنماط تعلم الطلاب، من خلال تفعيل مجتمعات التعلم المهنية داخل المدارس وتعزيز تبادل الزيارات الصفية بين المعلمين، مما يسهم في تبادل الخبرات والممارسات الناجحة.

وقال إنه من الضروري إعداد نماذج تعليمية توثق الممارسات الفضلى للمعلمين المتميزين وعرضها ضمن برامج تدريبية منظمة على مستوى المديرية، بحيث تصبح هذه النماذج مرجعية لبقية المعلمين.

ودعا الرحامنة إلى تنفيذ ورش تدريبية تطبيقية بشكل شهري ومستمر، يتم خلالها عرض أنشطة عملية ونماذج تدريسية تسهم في تفعيل تطبيق المناهج المطورة بكفاءة أعلى داخل الصف.

وأشار إلى أهمية عقد ورش متخصصة في توظيف التكنولوجيا في تعليم اللغة العربية، ينفذها مختصون، خاصة في ظل تركيز المناهج المطورة على تدريس المهارات بشكل واضح، مما يستلزم امتلاك المعلم لفنيات التعليم الإلكتروني والقدرة على توظيف البرمجيات التعليمية الداعمة لتعلم اللغة.

وأكد ضرورة التركيز على الجانب الوظيفي في عرض المحتوى، من خلال ربط النصوص والموضوعات بسياقات حياتية واقعية، مما يعزز دافعية الطلاب ويسهم في تحقيق نتائج تعلم أفضل.

كما شدد على ضرورة تطبيق المنحى التكاملي في تدريس اللغة العربية، بحيث تُدرَّس المهارات الأربع بصورة مترابطة وتطبيقية، لترسيخ المفاهيم بشكل صحيح ومتكامل.

ودعا الرحامنة إلى تعزيز تدريس التفكير في حصص اللغة العربية بدلاً من الاكتفاء بالتلقين والحفظ، مؤكدًا أهمية متابعة تنفيذ برنامج “محكات التفكير” من الصف السادس حتى العاشر، بحيث يُعرض المحتوى في صورة سؤال حواري مستمر يعزز التفكير العميق والمناقشة المنظمة.

كما لفت إلى ضرورة إيلاء مهارات التعبير الشفهي عناية أكبر، وتعويد الطلاب على التحدث بثقة، وتنظيم أفكارهم، وانتقاء المفردات المناسبة ضمن مواقف حياتية تعكس الاستخدام الوظيفي للغة.

وأكد أهمية الدور المحوري لقسم الإشراف التربوي في مديريات التربية والتعليم لمتابعة معلمي اللغة العربية، وتزويدهم بالطرائق الحديثة في التعليم والتعلم، إلى جانب تنفيذ نماذج تدريسية تطبيقية يقدمها المشرف التربوي أمام المعلمين في جلسات منظمة تركز على آليات محددة في تدريس مهارات اللغة.

وختم الرحامنة بالتأكيد على ضرورة متابعة كل ما يستجد في طرائق تدريس اللغة العربية وتفعيل ذلك داخل الغرف الصفية، مع الحرص على نقل أثر الخبرات التعليمية المكتسبة إلى الزملاء داخل المدرسة الواحدة أو على مستوى المدارس المتقاربة، بما يعزز ثقافة التطوير المهني المستدام.

3 مستويات مترابطة.

بدوره، أكد الخبير التربوي عايش النوايسة أن نتائج الدراسات الوطنية التي أجراها المركز الوطني لتطوير المناهج حول دعم تطبيق منهاج اللغة العربية المطور داخل الغرف الصفية تمثل خطوة مهمة، غير أن الانتقال من التوصيات إلى أثر ملموس في تعلم الطلاب يتطلب مجموعة متكاملة من الإجراءات العملية، تُنفّذ بصورة شمولية وعلى ثلاثة مستويات مترابطة: تدريب المعلمين، وتفعيل الأنشطة الصفية، وتطوير أدوات التقويم

وأوضح النوايسة أن المستوى الأول يبدأ ببناء برنامج تدريبي قائم على الكفايات، يستند إلى تشخيص فجوات الأداء الفعلية من خلال زيارات إشرافية وأدوات ملاحظة صفية معيارية، بحيث تُصمَّم حقائب تدريبية تركز على التعلم النشط وإستراتيجيات التفكير الناقد وإدارة الحوار وبناء المهام الأدائية.

وشدد على أهمية أن يكون التدريب قائمًا على الممارسة، عبر دروس نموذجية مصوّرة تُحلّل جماعياً، تعقبها تطبيقات صفية فعلية مع تغذية راجعة مباشرة ضمن إطار “التمرين الإرشادي”.

كما دعا إلى تفعيل مجتمعات تعلم مهنية داخل المدارس تجتمع دورياً لتحليل الممارسات وانعكاسها على تعلم الطلاب، وربط المشاركة في التدريب بالحوافز المهنية واحتسابها ضمن نقاط الترقية، إلى جانب نشر الممارسات المتميزة ومتابعة تنفيذها ميدانياً من قبل القيادات المدرسية والمشرفين التربويين لتقديم الدعم الفني المستمر.

وفيما يتعلق بالمستوى الثاني، أشار النوايسة إلى ضرورة تفعيل أنشطة تعليمية معززة للتفكير والتفاعل، من خلال تحويل نتاجات التعلم إلى مهام أدائية حقيقية، والانتقال من الأسئلة التذكيرية إلى تكليف الطلاب بمهام تحليل النصوص وإنتاج الخطاب وحل المشكلات اللغوية.

كما دعا إلى إدماج التعلم القائم على المشروعات الصغيرة داخل وحدات المنهاج، وتنويع إستراتيجيات التدريس كالتعلم التعاوني والعصف الذهني المنظم ولعب الأدوار، إضافة إلى توظيف إستراتيجيات التفكير مثل قبعات التفكير وخرائط المفاهيم.

واقترح النوايسة إعداد دليل أنشطة إجرائي مرفق بكل وحدة دراسية، يتضمن نماذج جاهزة لأنشطة تفاعلية قابلة للتطبيق ضمن الزمن المدرسي، مع إعادة تنظيم المحتوى بما يوازن بين الكم وجودة التناول، وإتاحة وقت كافٍ للقراءة والمناقشة والكتابة بما يعمّق الفهم.

أما المستوى الثالث، فيتمثل بحسب النوايسة، في تطوير أدوات تقويم مرتبطة بالأداء، عبر إدماج التقييم البديل بصورة منهجية، مثل ملفات الإنجاز والمهام الكتابية والعروض الشفوية المنظمة والمشروعات اللغوية القصيرة.

وشدد على ضرورة بناء سلالم تقدير واضحة ومعلنة مسبقاً تقيس مهارات الفهم العميق والتحليل وسلامة اللغة والتنظيم والإبداع، مع مواءمة أدوات التقويم مع نواتج التعلم ومؤشرات الأداء المحددة.

كما دعا إلى مراجعة دورية لأسئلة الاختبارات لضمان قياس مهارات التفكير العليا وليس الاقتصار على الاستظهار، وتدريب المعلمين على تصميم الاختبارات وبنوك الأسئلة بمختلف أنماطها، بما في ذلك الأسئلة المقالية والمواقف اللغوية الوظيفية، ضمن إطار البرنامج التدريبي القائم على الكفايات.

وختم بالتأكيد أن تحقيق نقلة نوعية في تعليم اللغة العربية يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين تدريب نوعي عميق وأنشطة صفية ثرية وتقويم أصيل قائم على الأداء، إلى جانب إجراءات داعمة على مستوى النظام التعليمي تخفف الأعباء الإدارية عن المعلم وتمنحه المساحة اللازمة للإبداع والتطوير المهني.

تأهيل يواكب التطوير.

من جانبها، أكدت مشرفة مبحث اللغة العربية في مدارس الرأي منال مجلّي أن إصدار المركز الوطني لتطوير المناهج مؤخرًا 65 كتابًا مدرسيًا جديدًا، شملت مباحث متنوعة من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، يشكّل خطوة مهمة ضمن خطة شاملة لتحديث المناهج التي لم يطرأ عليها تطوير منذ سنوات طويلة، بما يواكب أساليب التعلم والتعليم الحديثة وإستراتيجيات التدريس المعاصرة.

وأوضحت مجلّي أن المناهج المطوّرة اتسمت بالقوة مقارنة بالمناهج السابقة، سواء من حيث المحتوى والمضمون، أو من حيث إدخال أنماط تدريسية حديثة لم تكن مألوفة في السابق.

وأشارت إلى أن النهوض بالمناهج عملية معقدة تتطلب تخصصًا دقيقًا، مستشهدة بمبحث اللغة العربية مثالاً على التحول النوعي الذي شهدته المناهج الجديدة.

وبينت مجلّي أن المناهج القديمة في اللغة العربية لم تكن شاملة لجميع فروع اللغة، إذ كانت تقتصر على فرع أو فرعين في الحد الأقصى، في حين أصبحت المناهج الجديدة أكثر تكاملاً، حيث يدرس الطالب جميع الأفرع من نحو وصرف وعَروض والبلاغة بأفرعها، مع تركيز أكبر على المهارات اللغوية الأساسية تشمل القراءة والكتابة والاستماع والمحادثة، بدلاً من الاعتماد على الحفظ والتلقين.

وشددت مجلّي على أن قوة المنهاج لا تكمن في محتواه فقط، بل في المعلم القادر على إحيائه داخل الغرفة الصفية، مؤكدة ضرورة تحويل دور المعلم من ملقّن إلى ميسّر للعملية التعليمية.

وأوضحت أن تحقيق هذا التحول يتطلب تأهيلاً تربويًا عميقًا وتدريبًا مستمرًا على إستراتيجيات التعلم النشط، إلى جانب تمكين المعلمين من تدريس مهارات التذوق والتحليل لتعزيز الذوق اللغوي لدى الطلبة.

وقالت إن شريحة واسعة من المعلمين بحاجة إلى تطوير مهاراتها العلمية والتدريبية بما يتوافق مع فلسفة المناهج الجديدة، مؤكدة أن المنهاج القوي لا يحقق أهدافه دون معلم متمكن ومؤهل يمتلك أدوات التدريس الحديثة، بما يضمن تمكين الطلبة من إتقان فنون اللغة العربية قراءة وكتابة وتحدثًا واستماعًا.

كما دعت إلى تدريب المعلمين على توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم، مشيرة إلى وجود فجوة بين المنهاج المطوّر والتطبيق العملي على أرض الواقع، الأمر الذي يستوجب تقليص هذه الفجوة من خلال برامج تدريبية منهجية ومتخصصة تتماشى مع الأساليب التي ارتكزت عليها المناهج الحديثة.

واقترحت مجلّي إنشاء منتدى أو ملتقى تربوي بالشراكة مع المركز الوطني، يجمع أكبر شريحة ممكنة من المعلمين لتبادل الخبرات وإبداء الملاحظات حول المناهج، وعقد دورات تدريبية وورش عمل للتطوير المهني المستمر، إضافة إلى جلسات عصف ذهني تسهم في تطوير المناهج والمعلم في آن واحد.

كما دعت مجلّي إلى إتاحة المجال للمعلمين الأكثر خبرة لتقديم دورات تدريبية، سواء تطوعية أو مدفوعة، بهدف تحديث معارف زملائهم وربطها بالمستجدات العلمية.

وختمت مجلّي بتأكيد أهمية المتابعة الدورية وإجراء دراسات ميدانية منتظمة لتزويد مركز تطوير المناهج بتغذية راجعة علمية حول نقاط القوة والضعف في المناهج وأساليب التدريس وبرامج تدريب المعلمين، بما يضمن تطويرًا علميًا مستداماً وسد الفجوات بين التخطيط والتنفيذ وتحقيق الأثر الحقيقي داخل الغرفة الصفية.