وضعت الحكومة اللبنانية للمرة الأولى رقماً رسمياً لحجم الخسائر، حيث قدرت الفجوة المالية بنحو 83 مليار دولار، مما يعكس خطوة تعتبر مفصلية في معالجة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي شهدها لبنان على مر تاريخه، ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه البلاد من تداعيات اقتصادية واجتماعية متفاقمة تؤثر على حياة المواطنين بشكل مباشر.

كما أن مشروع قانون “الفجوة المالية” الذي أعدته الحكومة يُعتبر أحد الركائز الأساسية لاستئناف التفاوض مع صندوق النقد الدولي، حيث لا يقتصر دوره على كونه إجراءً تقنياً لتوحيد أرقام الخسائر، بل يُعد اختباراً سياسياً واقتصادياً يحدد كيفية توزيع هذه الخسائر وتحديد المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي، مما يثير تساؤلات حول استعداد لبنان لتحمل كلفة خياراته السابقة أو الاستمرار في ترحيلها.

أقرت الحكومة اللبنانية مشروع القانون بموافقة 13 وزيراً ومعارضة تسعة وزراء، رغم الجدل والتباين الكبير بشأن بنوده بين مختلف القوى السياسية، حيث كان من بين الوزراء المعترضين وزراء أحزاب “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” و”الطاشناق” و”حزب الله” و”حركة أمل”، باستثناء وزير المال ياسين جابر الذي غاب وزير الثقافة غسان سلامة عن الجلسة.

من جانبه، أوضح وزير المالية اللبناني ياسين جابر أن هناك ملاحظات تقنية تتعلق بحماية المودعين واستدامة الدين العام، مشدداً على أن الحكومة تسعى إلى كسر الجمود المستمر منذ ست سنوات وإظهار جدية الدولة في معالجة الأزمة.

وأكد الوزير اللبناني أن مشروع القانون الجديد الذي تم إحالته إلى مجلس النواب يطرح إطاراً عاماً لتنظيم الخسائر وتحديد آلية رد الودائع المحجوزة في المصارف اللبنانية، مع اعتماد سقف 100 ألف دولار كمعيار أساسي لتصنيف المودعين، وبحسب الصيغة المطروحة، يُفترض أن تُسترد ودائع صغار المودعين، أي الذين تقل ودائعهم عن هذا السقف، على مدى أربع سنوات، في حين يحصل كبار المودعين على 100 ألف دولار نقداً، بينما يُحول الجزء المتبقي من ودائعهم إلى شهادات مالية مدعومة بأصول يصدرها مصرف لبنان.

وشدد جابر على أن القانون هو قانون إطار لا يتضمن أرقاماً نهائية، حيث إن تحديد حجم الفجوة والمسؤوليات يتطلب أولاً إجراء تدقيق دولي مستقل، موضحاً أن أول بنوده يلزم مصرف لبنان بتعيين شركة تدقيق وفق المعايير الدولية لتدقيق حساباته وحسابات المصارف والودائع.

ولفت الوزير إلى أن الخطة، في مرحلتها الأولى، تستهدف حماية الغالبية الساحقة من الحسابات المصرفية، إذ سيسترد كامل المبلغ ضمن سقف المئة ألف دولار نحو 782 ألف حساب.

المشروع يقوم على مقاربة لا تحمل الدولة أعباء مباشرة، في مقابل نقل الجزء الأكبر من الخسائر إلى مصرف لبنان والمصارف التجارية والمودعين، وهي مقاربة تثير جدلاً واسعاً، ليس فقط حول عدالتها الاقتصادية، بل حول مدى انسجامها مع شروط صندوق النقد، ولا سيما في ما يتعلق بمبدأ توزيع الخسائر، واستدامة الدين العام، ومستقبل القطاع المصرفي.

أهداف القانون

القانون يهدف إلى السماح للمودعين بالاسترداد التدريجي لأموالهم المجمدة في النظام المصرفي منذ الانهيار المالي عام 2019، وقد تعرض لانتقادات عدة من جهات مختلفة، حيث أبدى حاكم مصرف لبنان المركزي كريم سعيد تحفظات بشأن المشروع، قائلاً إن الجدول الزمني الذي يقترحه لسداد الجزء النقدي من الودائع “يعد طموحاً إلى حد ما”، و”يحتاج إلى مزيد من التوضيح والتعزيز فيما يتعلق بالتزامات الدولة”، بينما رفضت جمعية المصارف اللبنانية المشروع باعتباره لا يتضمن أرقاماً واضحة ودقيقة ولا يراعي القدرات الفعلية للمصارف على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، واتهمت الدولة بالتهرب من الوفاء بديونها المستحقة تجاه مصرف لبنان، من جهتها، عبرت أحزاب عدة عن رفضها المشروع باعتباره لا يضمن إعادة الأموال للمودعين ولا يفرق بين أنواع الودائع.