تتجه الأنظار اليوم نحو التغيرات الإيجابية في فهم المجتمع لذوي متلازمة داون، حيث يتعزز الوعي بحقوقهم ويظهر تأثير التعليم الدامج كأداة فعالة لتفكيك الحواجز المجتمعية التي كانت تعيق فرصهم في التعلم والعمل.

اضافة اعلان.

هذا التحول لا يقتصر على الجانب العاطفي بل يمثل تحولًا عالميًا يؤكد أن الإعاقة تكمن في الحواجز وليس في الأفراد، مما يتيح لذوي متلازمة داون فرصة تحقيق نجاحات ملهمة في بيئة داعمة توفر لهم الفرص المتكافئة.

في اليوم العالمي لمتلازمة داون، الذي يوافق 21 آذار من كل عام، سلطت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) الضوء على قصة الشابة مجد الهنداوي التي واجهت التحديات المجتمعية منذ طفولتها، حيث كرست جهودها لرفع الوعي بحقوق الأشخاص من متلازمة داون، موضحة أن الاختلاف الجيني لا يقف عائقًا أمام التميز والنجاح.

تتمتع مجد الهنداوي بملامح هادئة وصوت واثق، وتحمل قصة بدأت بنظرات التنمر في الطفولة وانتهت بتحقيق إنجازات بارزة، حيث أصبحت رئيسة منتخبة للمجلس القيادي الإقليمي للاعبين بالأولمبياد الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعضوًا في المجلس الاستشاري العالمي للأولمبياد، بالإضافة إلى كونها ناطقًا إعلاميًا لجمعية الياسمين لأطفال متلازمة داون، وأول فتاة أردنية من متلازمة داون تحصل على الحزام الأسود وتتأهل لبطولة العالم للكاراتيه.

في المجال الأكاديمي، حققت الهنداوي مؤخرًا نجاحًا في شهادة الثانوية العامة الفرع الأدبي، مما يساهم في كسر الصورة النمطية المرتبطة بعدم قدرة الأشخاص من متلازمة داون على التعلم أو تحقيق النجاح الأكاديمي.

أوضحت الهنداوي في حديثها لـ (بترا) أن رحلتها لم تكن خالية من التحديات، حيث واجهت مظاهر التنمر ونظرات المجتمع المختلفة، لكنها حولت تلك التجارب إلى دافع يمنحها مزيدًا من القوة والإصرار لإثبات قدراتها، مشددة على أن الأشخاص من متلازمة داون يمتلكون طاقات كبيرة تمكنهم من النجاح والتميز عندما تتوفر لهم الفرص والدعم المناسب.

وأشارت إلى أن دعم الأسرة كان عنصرًا أساسيًا في مسيرتها، حيث ساعدها وقوف عائلتها إلى جانبها على تجاوز الصعوبات وتحقيق طموحاتها، موضحة أن نجاحها في الثانوية العامة يحمل رسالة واضحة بأن الأشخاص من متلازمة داون قادرون على التعلم في بيئة تعليمية داعمة.

كما تحدثت الهنداوي عن التحاقها مؤخرًا بفرصة عمل في مطار الملكة علياء الدولي، موضحة أن فرص العمل تعزز استقلالية الشباب من متلازمة داون وتساعد في كسر الصور النمطية عن قدراتهم، معربة عن طموحها لاستكمال دراستها الجامعية في تخصص الصحافة والإعلام لتصبح أول مذيعة أردنية من متلازمة داون، مما يمكنها من إيصال صوت هذه الفئة وتسليط الضوء على إنجازاتهم.

وفيما يتعلق بواقع دمج الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس، بما في ذلك الطلبة من متلازمة داون، قال مدير مديرية برامج الطلبة ذوي الإعاقة في وزارة التربية والتعليم الدكتور محمد الرحامنة لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن الوزارة تعمل على توفير بيئة تعليمية دامجة تتيح للطلبة ذوي الإعاقة المشاركة الفاعلة في العملية التعليمية.

وأوضح أن المدارس المستقبلة للطلبة ذوي الإعاقة وصلت إلى 1,520 مدرسة، فيما بلغ عدد الطلبة الملتحقين بالمؤسسات التعليمية الحكومية من ذوي الإعاقة نحو 30,200 طالب وطالبة، من بينهم 242 طالبًا وطالبة من متلازمة داون للعام الدراسي 2025/2026.

وأشار الرحامنة إلى أن الوزارة استحدثت 55 صفًا داعمًا للطلبة ذوي الإعاقة الذهنية، وعززت الموارد البشرية بتوفير 1,300 معلم ومعلمة مساندة، و252 أخصائيًا، و120 مقدم رعاية داخل المدارس.

كما قدمت الوزارة دعمًا متنوعًا للطلبة ذوي الإعاقة، حيث استفاد نحو 4,000 طالب في المؤسسات التعليمية الخاصة بمبلغ 1.6 مليون دينار، فيما حصل 2,026 طالبًا في المدارس الحكومية على بدل المواصلات بمجموع 607 آلاف دينار، وتم تمويل المعينات والأجهزة التعليمية بقيمة 73 ألف دينار، بالإضافة إلى تطوير المنصات الإلكترونية وقواعد البيانات الوطنية لمتابعة الطلبة ذوي الإعاقة.

وبين الرحامنة أن الدراسات أظهرت أن تطبيق الاستراتيجية العشرية ساهم في تعزيز التحصيل الأكاديمي للطلبة في بعض المواد وتحسين مهاراتهم الاجتماعية، مع الإشارة إلى استمرار الحاجة لتطوير بعض الجوانب الأكاديمية والسلوكية الأخرى، موضحًا أن الوزارة تعمل على تهيئة البيئة التعليمية الدامجة عبر تعديل التشريعات التربوية وتنفيذ ورش توعوية لأولياء الأمور وأصحاب المصلحة، واعتماد مؤسسات وطنية للتشخيص المبكر والدعم والإحالة، إضافة إلى تدريب وتأهيل نحو 15,000 معلم وأخصائي لضمان جودة التعليم الدامج.

وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية للتعليم الدامج، أشار إلى أن الوزارة تسعى إلى رفع نسبة التحاق الطلبة ذوي الإعاقة إلى 10 بالمئة بحلول عام 2030، ليصل العدد إلى نحو 40,000 طالب وطالبة، بالإضافة إلى توسيع عدد المدارس الدامجة باستهداف 250 مدرسة إضافية خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع تطوير برامج دمج تشمل الفئات الأكثر عرضة للإقصاء وتعزيز البنية التحتية والتقنية لدعم دمج فعّال ومستدام.

من جهته، أكد أستاذ التربية الخاصة في جامعة إربد الأهلية الدكتور ثائر عجولي أن الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص من متلازمة داون يشهد تطورًا متزايدًا، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من “التقبل النظري” إلى “التمكين الواقعي” عبر مبادرات عملية تعزز حضورهم ومشاركتهم الفاعلة في المجتمع.

وأوضح أن كسر الصورة النمطية يتطلب تعزيز ثقافة الانتماء، بحيث يكون الأشخاص من متلازمة داون جزءًا أصيلاً من النسيج المجتمعي، مؤكدًا أهمية البناء على الجهود القائمة في المؤسسات التعليمية لتعزيز الممارسات الدامجة وتطويرها، وفي السياق التربوي، أشار عجولي إلى أهمية تطوير نماذج داعمة داخل المدارس، مثل برنامج “معلم الخبرة”، من خلال تدريب عدد من المعلمات تدريبًا متخصصًا ليصبحن مرجعيات داعمة لبرامج الدمج داخل الصفوف، مما يسهم في نقل الخبرات التربوية وتعزيز البيئة التعليمية الدامجة.

كما دعا إلى توسيع الأنشطة المدرسية التي تركز على المهارات الحياتية إلى جانب التحصيل الأكاديمي، بما يتيح للطلبة من متلازمة داون إبراز قدراتهم في مجالات متنوعة ويعزز ثقافة تقبل التنوع بين الطلبة.

ولفت عجولي إلى أهمية تطوير نماذج عملية لتعزيز فرص العمل، من بينها التوظيف المدعوم من خلال شراكات بين القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، مما يسهم في تسهيل اندماج الشباب من متلازمة داون في بيئة العمل.

وأكد أن التوعية المجتمعية تمثل ركيزة أساسية في دعم الدمج، داعيًا إلى تبني برامج توعوية عملية تستهدف موظفي الصفوف الأمامية في المؤسسات الخدمية، وتزودهم بمهارات التعامل والتواصل مع الأشخاص من متلازمة داون بطريقة تحترم كرامتهم وتيسر حصولهم على الخدمات.

كما شدد على أهمية تعزيز الأنشطة المجتمعية المشتركة التي تجمع أفراد المجتمع مع الشباب من متلازمة داون في مبادرات تطوعية أو مجتمعية، لما لذلك من دور في تعزيز التفاعل الإنساني وكسر الحواجز النفسية.

وفي السياق ذاته، أكد أن الأسرة تمثل شريكًا أساسيًا في عملية التمكين، مشيرًا إلى أهمية دعم الأسر وتمكينها من تطوير مهارات التواصل والتعريف بقدرات أبنائها، مما يعزز حضورهم في المجتمع ويفتح أمامهم فرص المشاركة والعمل.

استطلعت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) آراء عدد من أصحاب الأعمال حول توظيف الأشخاص من متلازمة داون في بعض المهن، حيث أكدوا أن التجارب التي خاضوها عكست مستويات عالية من الالتزام والانضباط والقدرة على أداء المهام، مما يسهم في تعزيز بيئة عمل شاملة، وأن نجاح التجارب العملية أسهم في تغيير العديد من الصور النمطية المرتبطة بقدراتهم الإنتاجية.

يهدف اليوم العالمي لمتلازمة داون إلى توضيح أن الاختلاف الجيني لا يعيق التميز، وأن الدعم والفرص المتكافئة تحول التحديات إلى إنجازات تلهم المجتمع، مع التأكيد على أهمية التعليم الدامج وفرص العمل العادلة.