عمان في ظل التطورات الإقليمية الحالية وما قد يترتب عليها من اضطرابات في الممرات البحرية الدولية، يعتبر خبراء زراعيون أن إدارة المخاطر المرتبطة باحتمالات تعطل بعض الممرات البحرية الحيوية تستدعي نظرة شاملة لمنظومة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد الأردني.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن الأمن الغذائي لا يقتصر على توفر المخزون الاستراتيجي فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرة الدولة على إدارة تدفق السلع عبر سلاسل الإمداد العالمية في ظل الأزمات، مما يبرز أهمية وجود خطة استباقية شاملة تعتمد على عدة محاور رئيسة.
محاور إدارة الأمن الغذائي
تشمل هذه المحاور إدارة المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد والمسارات اللوجستية، ومتابعة كلف الشحن والطاقة والتأمين البحري.
وأكدوا أن استخدام أنظمة المعلومات الحديثة لمتابعة المخزونات وحركة الأسواق يشكل أداة حاسمة في إدارة الأمن الغذائي، حيث تسمح هذه الأنظمة برصد المؤشرات العالمية والمحلية بشكل مبكر، مما يتيح لصناع القرار اتخاذ إجراءات استباقية قبل حدوث أي نقص فعلي في السوق.
متابعات حثيثة
في هذا السياق، أكد وزير الزراعة الأسبق المهندس سعيد المصري أن التطورات الإقليمية الراهنة دفعت الحكومة للتصريح في بيانها الأخير بأن المملكة تمتلك مخزوناً استراتيجياً آمناً من السلع الغذائية الأساسية يكفي لفترات مريحة، وأن الجهات المختصة تتابع بشكل يومي مستويات المخزون وحركة الأسواق لضمان استقرار الإمدادات التموينية في المملكة.
وأضاف المصري أنه انطلاقاً من هذه المعطيات، فإن إدارة المخاطر المرتبطة باحتمالات تعطل بعض الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز أو باب المندب، تتطلب قراءة أوسع لمنظومة الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الاقتصاد الأردني.
ولفت إلى أن الأمن الغذائي لا يتوقف عند توفر المخزون الاستراتيجي فقط، بل يرتبط أيضاً بقدرة الدولة على إدارة تدفق السلع عبر سلاسل الإمداد العالمية في ظل الأزمات، ومن هنا تبرز أهمية وجود خطة استباقية شاملة تعتمد على عدة محاور رئيسية.
وبين المصري أن أول هذه المحاور يتمثل في إدارة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية كالقمح والشعير والأرز والسكر والزيوت، مع العمل على رفع مستوى المخزون التشغيلي لدى المستوردين والمطاحن والصناعات الغذائية، بما يضمن استمرار تزويد الأسواق المحلية دون انقطاع حتى في حال حدوث اضطرابات في حركة النقل الدولية.
أما المحور الثاني، وفق المصري، فيتعلق بتنويع مصادر الاستيراد والمسارات اللوجستية، مشيراً إلى أن اعتماد أي دولة على مسار بحري واحد أو منشأ واحد يزيد من حساسية سلاسل الإمداد للأزمات الجيوسياسية، لذلك يصبح من الضروري توسيع شبكة الموردين واستخدام مسارات شحن بديلة عند الحاجة لضمان استمرار تدفق السلع إلى المملكة.
وتابع: “أما المحور الثالث فيرتبط بمتابعة كلف الشحن والطاقة والتأمين البحري، وهي عوامل ترتفع عادة بشكل حاد في أوقات التوترات العسكرية، ومن هنا يبرز دور السياسات الحكومية في تخفيف أثر هذه الارتفاعات على السوق المحلي من خلال أدوات مرنة تشمل تسهيل الاستيراد للسلع الأساسية، أو تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، أو توسيع شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار”
وقال المصري إن الإنتاج الغذائي المحلي يشكل ركيزة مهمة في منظومة الأمن الغذائي، إذ إن استمرارية عمل الصناعات الغذائية والزراعة المحلية تعتمد على توفر مدخلات الإنتاج مثل الأعلاف والأسمدة والطاقة ومواد التصنيع، لذلك فإن حماية هذه المدخلات وضمان تدفقها يعد جزءاً أساسياً من إدارة الأزمة.
وزاد: “كما أن استخدام أنظمة المعلومات الحديثة لمتابعة المخزونات وحركة الأسواق يشكل أداة حاسمة في إدارة الأمن الغذائي، إذ تسمح هذه الأنظمة برصد المؤشرات العالمية والمحلية بشكل مبكر، ما يتيح لصناع القرار اتخاذ إجراءات استباقية قبل حدوث أي نقص فعلي في السوق”
وأوضح أن تطمين الأسواق والرأي العام حول استقرار الإمدادات يبقى عاملاً مهماً، لأن الأزمات التموينية غالباً ما تتفاقم بسبب سلوكيات الشراء المفرط والتخزين غير المبرر بقدر ما تتأثر بالاضطرابات الفعلية في سلاسل الإمداد.
أنظمة إنذار مبكر
من جهته، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد عملية إنتاج زراعي تقليدية، بل تحول إلى منظومة إدارية متكاملة لسلاسل الإمداد لمواجهة الاضطرابات العالمية والتغيرات المناخية المتسارعة.
وأضاف بني هاني أن التخطيط الاستباقي الفعال يبدأ بإنشاء أنظمة إنذار مبكر تقنية، تعمل على مراقبة حركة الأسعار والمخزون والإنتاج المحلي والدولي لحظة بلحظة، مشيراً إلى أن توفر المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب يمثل حجر الأساس لتمكين صانع القرار من رصد أي مؤشرات لنقص السلع قبل تحولها إلى أزمات حقيقية تهدد استقرار المجتمعات وتؤثر على المستهلكين بشكل مباشر.
وقال إن المخزون الاستراتيجي من الحبوب والمواد الأساسية يشكل أداة الأمان الأولى لامتصاص الصدمات السعرية المفاجئة وضمان تدفق الإمدادات في الظروف الطارئة، لافتاً إلى أن الاستجابة الذكية لا تقتصر على التخزين فقط، بل تمتد لتشمل تنويع مصادر الاستيراد وتطوير البنية اللوجستية لتفادي مخاطر الاعتماد على مورد واحد أو مسار تجاري محدد.
وبين أن توزيع الشركاء التجاريين يمنح الدولة مرونة عالية وقدرة أكبر على المناورة عند حدوث نزاعات دولية أو كوارث طبيعية، ما يضمن استمرارية تدفق الغذاء وثبات الأسعار في الأسواق المحلية.
وزاد: “يظل تعزيز الإنتاج المحلي الركيزة الجوهرية لتقليل التبعية للخارج، خاصة في الدول التي تعاني من تحديات مائية وبيئية تفرض ضرورة تبني تقنيات زراعية حديثة ومبتكرة، ويقاس نجاح مجالس الأمن الغذائي بمدى قدرتها على الانتقال من منطق الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى منطق الوقاية منها عبر سياسات استباقية وتكامل مؤسسي”
وأوضح أن بناء استراتيجية وطنية توحد جهود القطاعات الزراعية والتجارية واللوجستية هو ما يجعل الأسواق أكثر صموداً، والمجتمعات أكثر ثقة وقدرة على مواجهة تقلبات الغذاء العالمية.
خطط استباقية
بدوره، قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي إنه في حال حدوث نقص في بعض المنتجات الغذائية أو تسجيل ارتفاعات غير مبررة في الأسعار، فإن من مسؤولية مجلس الأمن الغذائي أن يتعامل مع هذه التحديات من خلال حزمة من الخطط الاستباقية التي تهدف إلى ضمان استقرار السوق وتوفر السلع الأساسية بشكل مستمر.
وأكد العسوفي وجوب العمل على تطوير أنظمة متقدمة لمراقبة الأسواق وسلاسل الإمداد، بحيث يتم رصد حركة الإنتاج المحلي ومستويات المخزون والكميات المتوفرة في الأسواق بشكل دوري، الأمر الذي يتيح التنبؤ المبكر بأي اختلالات محتملة في العرض أو الطلب، والتدخل في الوقت المناسب قبل تفاقم المشكلة.
وزاد: “على المجلس أيضاً تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية، بحيث يشكل هذا المخزون أداة مهمة للتدخل عند حدوث نقص مفاجئ في بعض المنتجات أو عند تعرض سلاسل الإمداد لاضطرابات نتيجة ظروف إقليمية أو عالمية، مثل الأزمات الاقتصادية أو التغيرات المناخية أو ارتفاع تكاليف النقل والشحن”، مبيناً أن هذا الإجراء يسهم في الحفاظ على استقرار السوق ومنع حدوث تقلبات حادة في الأسعار
من جانب آخر، رأى العسوفي أن على الجهات المعنية العمل على تنويع مصادر الاستيراد للسلع الغذائية وعدم الاعتماد على أسواق محددة، بما يقلل من المخاطر المرتبطة بتوقف التوريد أو ارتفاع الأسعار في بلد معين، وفي الوقت نفسه يتم دعم الإنتاج الزراعي المحلي من خلال تشجيع المزارعين وتوفير مدخلات الإنتاج وتحسين كفاءة العمليات الزراعية، الأمر الذي يعزز القدرة الإنتاجية المحلية ويقلل من الاعتماد على الاستيراد في بعض السلع.
وتابع: “في إطار تحسين كفاءة سلاسل الإمداد، يجب التركيز على تطوير البنية التحتية المتعلقة بالنقل والتخزين، بما في ذلك المستودعات ومرافق التبريد وسلاسل التوريد اللوجستية، وذلك بهدف تقليل الفاقد من المنتجات الزراعية والغذائية وضمان وصولها إلى الأسواق في الوقت المناسب وبجودة مناسبة”
وأضاف: “من الأهمية بمكان تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع أي ممارسات احتكارية أو محاولات للتلاعب بالأسعار، مع تفعيل القوانين والإجراءات التي تضمن تحقيق العدالة في السوق وحماية المستهلك”
إلى جانب ذلك، بين العسوفي أنه يترتب على مجلس الأمن الغذائي تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بمن في ذلك المستوردون والتجار وشركات النقل والتخزين، لضمان انسيابية حركة السلع الغذائية واستمرارية تدفقها إلى الأسواق في مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى العمل على تطوير خطط طوارئ مرنة تتيح التدخل السريع في حال حدوث أزمات مفاجئة، سواء من خلال تسهيل إجراءات الاستيراد أو إعادة توزيع السلع بين المناطق المختلفة.
وقال إن هذه الإجراءات الاستباقية تهدف إلى بناء منظومة متكاملة لإدارة سلاسل الإمداد الغذائي، تكون قادرة على التعامل مع المتغيرات والتحديات المختلفة، بما يضمن توفر الغذاء للمواطنين بكميات كافية وأسعار مستقرة، ويعزز في الوقت ذاته من قدرة الدولة على تحقيق الأمن الغذائي والاستجابة الفاعلة لأي أزمات محتملة في المستقبل القريب أو البعيد حسب المعطيات الإقليمية وتداعيات الظروف الاستثنائية في المنطقة.
تجارب سابقة
بدوره، قال المستشار الدولي وزير الزراعة الأسبق محمود الدويري: “تعلمنا الكثير من الأزمات التي عشناها سابقاً، خصوصاً خلال فترة الكوفيد مواجهة الصعاب، وكان لقيادة جلالة الملك ومبادراته للقطاع الزراعي والصحي الأثر البالغ في ذلك”
وأضاف الدويري أن المملكة نجحت بزيادة مخزون السلع الغذائية كالقمح والطحين والأعلاف، مبيناً أن الأزمة الحالية تستدعي تعاون المواطنين للاحتفاظ بمخزون من المواد الضرورية لما لا يقل عن عدة أيام.
وأشار إلى أنه بالرغم من الصعوبات الحياتية، لكن الكثيرين ما زالوا يمارسون سلوكيات الهدر في المواد الغذائية، ولذلك ينبغي التقليل من الفاقد وتوزيع الفائض من الطعام على المحتاجين، ويجب أن نشجع على استغلال الحدائق المنزلية والاستفادة منها.

