لم تكن اللحظة التي شهدت انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية لحظة عادية في تاريخ إيران، حيث جاء هذا الإعلان العاجل عبر التلفزيون الرسمي ليؤكد انتقال السلطة الدينية والسياسية في وقت يتسم بتعقيدات جيوسياسية قد تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط لعقود قادمة، فمجتبى الذي لم يشغل أي منصب رسمي سابق ولم يظهر في خطابات علنية أمام الجماهير، يعتبر شخصية محورية في النظام الإيراني، حيث كان لسنوات طويلة العقل المدبر الذي يحرك الخيوط من خلف الكواليس، مما يجعله مرشحًا مقبولًا لدى مراكز القوة الحقيقية في الدولة العميقة، فالعلاقة الوثيقة بينه وبين الحرس الثوري الإيراني تعكس الثقة الكبيرة التي يتمتع بها بين قادة النظام.
في الوثائق المسربة عبر ويكيليكس، وُصف مجتبى بأنه أحد أبرز مهندسي شبكة النفوذ داخل النظام، حيث كان ينسق بين المؤسسة الدينية والدوائر الأمنية، كما أنه يحمل عقيدة الشك المطلق في الغرب، مما يعزز موقفه في ظل الظروف الحالية، لكن الطريقة التي تم بها تنصيبه تثير الجدل، إذ مُنح لقب (آية الله) قبل أيام قليلة من الإعلان، مما يعيد للأذهان ما حدث عام 1989 عندما تولى والده المنصب ذاته وسط جدل فقهي مشابه، مما يطرح تساؤلات حول إعادة إنتاج التاريخ الإيراني في ظروف أكثر تعقيدًا.
يمثل مجتبى ابن جيل الحرب مع العراق، حيث شكلت تجربته في الباسيج رؤيته السياسية التي ترى في الصراع مع الغرب صراعًا وجوديًا، مما جعله مرتبطًا بأكثر اللحظات السياسية توترًا في إيران، فقد اتهمه السياسي الإصلاحي مهدي كروبي بالتدخل في نتائج انتخابات 2005، كما وُصف دوره خلال احتجاجات 2009 بأنه انقلاب صامت، مما جعله شخصية غامضة ومخيفة في آن واحد.
بعد ساعات من إعلان تنصيبه، شهدت تل أبيب موجة صاروخية ضخمة استهدفت العمق الإسرائيلي، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن بعض المناطق، ويبدو أن الرسالة كانت واضحة من المرشد الجديد الذي يسعى لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، حيث أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن طهران لم تبدأ الحرب لتهدئتها، بل لفرض معادلة الردع النهائي، مشيرًا إلى أن بنك الأهداف الإيرانية تم إعداده منذ سنوات، وأن الأحداث الحالية هي تنفيذ لخطة طويلة الأمد.
في المقابل، أظهرت واشنطن ردود فعل تشير إلى احتمال تحول التصعيد إلى مواجهة أوسع، حيث أمرت وزارة الخارجية الأميركية بإجلاء موظفيها الدبلوماسيين من المملكة العربية السعودية، مما يعكس تقديرًا بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة، وهو ما فعلته أيضًا أستراليا وبعض الدول الأوروبية، حيث يعتبر إخلاء الدبلوماسيين مؤشرًا سياسيًا وعسكريًا خطيرًا.
تحتوي دول الخليج على حوالي 40 مليون أجنبي، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية إجلائهم، كما أن ما يتكشف الآن يتجاوز مجرد انتقال السلطة في طهران، حيث يمثل انهيار أحد أهم الرهانات الإستراتيجية لواشنطن، وهو الانقسام الداخلي بعد غياب المرشد، وصراع الصقور بين الأجنحة الإيرانية، حيث جاء إعلان الولاء من علي لاريجاني ليقلب المعادلة رأسًا على عقب.
تبدو الدولة العميقة الإيرانية الآن أكثر توحدًا بدلًا من التنافس على السلطة، مما يجعل أي معارضة داخلية تبدو وكأنها تمرد في لحظة مواجهة خارجية، وهو ما يحرم خصوم إيران من أهم أدواتهم، تفكيك النظام من الداخل، حيث حذر الجنرال البريطاني ريتشارد شيريف من أن أخطاء استراتيجية ترامب لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل سوء فهم عميق لبنية المجتمع الإيراني وثقافته السياسية، حيث أدى اغتيال خامنئي في توقيت ديني حساس إلى التفاف المجتمع حول مؤسسات النظام.
أما الخطأ الثاني فيتمثل في فتح جبهة الاقتصاد العالمي دون خطة خروج واضحة، حيث تمتلك طهران القدرة على تحويل النفط إلى سلاح إستراتيجي، مما يهدد الاقتصاد الدولي، بينما الخطأ الثالث هو سوء تقدير عامل الزمن، حيث تراهن واشنطن على حسم سريع، بينما تراهن طهران على حرب استنزاف قد تخلق ضغطًا عالميًا على البيت الأبيض، وهو ما يتضح من خطاب الرئيس الإيراني الذي يمزج بين طمأنة الجوار وتهديد واشنطن، مما يعكس أن الحرب إذا تحولت إلى مواجهة مركبة دينية ونفسية واقتصادية، قد تمتلك فيها طهران أوراقًا أكثر مما توقعت واشنطن.

