يجتمع صناع السياسات الأمنية عبر الأطلسي في مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 اليوم الجمعة في وقت يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة قد تؤثر على العلاقات الدولية والإقليمية في ظل المخاوف المتزايدة من التزام الولايات المتحدة بأمن القارة الأوروبية مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتركيزه الاستراتيجي على مواجهة الصين في منطقة الهندي–الهادئ.
تتزايد المخاوف الأوروبية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بأمن القارة خاصة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتركيزه الاستراتيجي على مواجهة الصين في منطقة الهندي–الهادئ.
هذا التحول لا يُنظر إليه في العواصم الأوروبية باعتباره مجرد إعادة ترتيب أولويات بل كاختبار وجودي لقدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها في عالم يزداد اضطراباً.

غواصة غواصات الغواصة
في هذا السياق، نشر مشروع الدفاع والأمن الأوروبي سلسلة من الأوراق البحثية التي تطرح سؤالاً محورياً حول كيفية تحمل أوروبا مسئولية أكبر عن أمنها ودفاعها حيث دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الثالث ولم تعد مجرد نزاع إقليمي بل أصبحت نقطة تحول كشفت هشاشة الافتراضات التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب الباردة حيث وسعت روسيا نطاق المواجهة إلى ما دون عتبة الحرب عبر هجمات سيبرانية وعمليات تخريب وحملات تضليل إعلامي وتدخلات انتخابية.
تشير تقديرات مسئولين في حلف شمال الأطلسي إلى أن أوروبا قد تمتلك ما بين ثلاث إلى خمس سنوات فقط للاستعداد لاحتمال مواجهة مباشرة في حال أعادت موسكو بناء قدراتها العسكرية بعد توقف القتال في أوكرانيا مما يفرض على القارة إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية بصورة جذرية.
لن يتمحور النقاش الدائر في ميونخ هذا العام حول ما إذا كان ينبغي زيادة الإنفاق الدفاعي بل حول كيفية إنفاقه بذكاء حيث دخلت الحروب الحديثة ما يُعرف بعصر “الدقة الكثيفة” حيث يمكن لأنظمة موزعة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة أن تحقق تأثيراً نارياً واسعاً دون الحاجة إلى حشود تقليدية ضخمة وقد أثبتت التجربة الأوكرانية أن أسراب الطائرات المسيّرة والضربات بعيدة المدى قادرة على تغيير ميزان المعركة وبالتالي فإن أوروبا مطالبة بالتحول من منطق الجيوش الثقيلة إلى منطق الشبكات القتالية المرنة مع الاستثمار في القدرات السيبرانية والفضائية وأنظمة القيادة والسيطرة المستقلة وتقليص الاعتماد على البنية الأمريكية داخل الحلف الأطلسي.
غير أن الطموح الأوروبي يصطدم بتحديات بنيوية عميقة حيث تعاني الصناعات الدفاعية في القارة من التجزؤ وسلاسل التوريد لا تزال بطيئة والإنتاج العسكري لم يتعافَ بالكامل من تقليصات ما بعد الحرب الباردة كما أن الموارد المالية محدودة في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة.
السؤال الذي يواجه صناع القرار لا يتعلق فقط بتوفير الأموال بل بقدرتهم على تعبئة المدخرات الخاصة وتحفيز الابتكار الصناعي وجذب الكفاءات التقنية إلى قطاع دفاعي يحتاج إلى تحديث شامل.
في الخلفية، يلوح الملف النووي كأكثر القضايا حساسية حيث ظل الردع الأوروبي لعقود قائماً على المظلة النووية الأمريكية لكن الرسائل المتباينة الصادرة من واشنطن دفعت بعض العواصم إلى التفكير في خيارات بديلة.
يدور النقاش حول إمكانية توسيع مظلة الردع الفرنسية والبريطانية لتشمل بقية الدول الأوروبية بما يضمن مصداقية الردع في مواجهة روسيا التي كثفت خطابها النووي ونشرت أنظمة صاروخية متقدمة قرب حدود الحلف.
لا تزال الفكرة مثار جدل سياسي وأخلاقي لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن الردع من دون بعد نووي قد يكون غير كافٍ أمام خصم مسلح نووياً.
إلى جانب الردع التقليدي والنووي، تبرز مسألة الحركية العسكرية باعتبارها الاختبار العملي لجدية أوروبا حيث قد تحدد سرعة نقل القوات والمعدات عبر القارة مصير أي مواجهة محتملة ومع ذلك لا تزال البيروقراطية وتعقيدات العبور الحدودي وضعف البنية التحتية تعيق الانتشار السريع.
في بعض الحالات، يستغرق نقل معدات ثقيلة بين دول أوروبية أسابيع طويلة وهو ما يتناقض مع متطلبات الردع الفوري ورغم إدراج الحركية العسكرية ضمن أولويات الاتحاد الأوروبي فإن فجوة التمويل والتنفيذ لا تزال كبيرة.
على صعيد آخر، لم تعد التهديدات عسكرية صرفة حيث باتت عمليات التشويش الروسية على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية تؤثر على نسبة كبيرة من حركة الطيران الأوروبية مما يطرح مخاطر تتجاوز المجال العسكري إلى السلامة المدنية حيث أثارت زيادة عمليات التشويش في شمال وشرق أوروبا مخاوف من احتمال وقوع كارثة جوية في ظل غياب رد أوروبي موحد.
هذا النوع من “الحرب الرمادية” يهدف إلى تطبيع حالة عدم الاستقرار دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مما يجعل الرد السياسي والقانوني أكثر تعقيداً.
مجمل هذه التطورات يضع أوروبا أمام مفترق طرق تاريخي حيث تجد القارة التي اعتادت الاعتماد على المظلة الأمريكية نفسها مضطرة إلى التفكير كقوة استراتيجية مستقلة لا كمجرد شريك تابع.
لم يعد السؤال إن كانت الولايات المتحدة ستنسحب بالكامل بل ماذا سيحدث إذا تراجعت جزئياً أو أعادت تعريف التزاماتها حيث يتعين على الأوروبيين في هذا الفراغ المحتمل أن يحددوا إن كانوا قادرين على بناء منظومة ردع متكاملة صناعية وعسكرية وتكنولوجية قادرة على حماية مصالحهم وحدودهم.
لا يناقش مؤتمر ميونخ هذا العام أزمة عابرة بل يناقش ملامح نظام أمني أوروبي جديد وبين التحذيرات من خطر روسي متصاعد والقلق من انكفاء أمريكي محتمل والتحديات المالية والصناعية تبدو الرسالة الأساسية واضحة: زمن الاعتماد المريح قد انتهى
تدخل أوروبا مرحلة اختبار حقيقي لقدرتها على التحول من مستهلك للأمن إلى منتج له والسنوات القليلة المقبلة قد تحدد ما إذا كانت ستنجح في ذلك أم ستجد نفسها أمام واقع أمني لم تستعد له بما يكفي.

