يواجه الشرق الأوسط حاليًا حالة من القلق والترقب نتيجة التصعيد الحالي، مما أثر بشكل مباشر على الفضاء الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث برزت الشائعات كأحد التحديات الكبرى التي ترافق الأزمات وتؤثر على الأمن المجتمعي وثقة المواطنين بالمؤسسات.
اضافة اعلان.
تنتشر الشائعات في كثير من الأحيان بسرعة تفوق سرعة تداول الأخبار الموثوقة، مستفيدة من حالة الغموض وغياب المعلومات الدقيقة في المراحل الأولى للأحداث، حيث تتدفق كميات كبيرة من المعلومات غير المؤكدة مع كل تطور ميداني أو سياسي، مما يجعل الشائعات أداة فعالة في حروب المعلومات
تشير التقارير إلى أن الشائعات تتنوع بين تحليلات غير مستندة إلى مصادر وأخبار مفبركة تهدف إلى إثارة القلق والتأثير على الرأي العام، وهو ما يعكس تأثيرها المباشر على الأمن المجتمعي وثقة المواطنين بالمؤسسات، مما يؤدي إلى خلق حالة من الإرباك والبلبلة في لحظات حساسة
يرى مختصون أن الأردن، نظرًا لموقعه الجيوسياسي ومواقفه الثابتة، يُعتبر من الدول التي قد تتعرض لمحاولات استهداف عبر بث الشائعات، بهدف زعزعة استقراره وإثارة القلق في الداخل، حيث تمثل المصادر الرسمية خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الشائعات
وفقًا لتصريح المركز الوطني لإدارة الأزمات، بلغ عدد الشائعات المتداولة منذ بداية التصعيد العسكري في المنطقة 244 شائعة حتى يوم أمس، حيث توزعت بين 41% متعلقة بأخبار سقوط وانفجارات داخل الأراضي الأردنية و45% مرتبطة بانقطاع سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار ونقص المواد الغذائية والطاقة، إضافة إلى مزاعم التحول إلى التعليم عن بُعد
تتركز هذه الشائعات على الجوانب الأكثر حساسية لدى المواطنين، سواء الأمنية أو المعيشية، بهدف إثارة القلق وزعزعة الشعور بالاستقرار، حيث أسهمت سرعة تداول هذه الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي في تضخيمها وانتشارها على نطاق واسع
بالمقارنة مع حرب استمرت 12 يومًا في حزيران الماضي، انخفضت نسبة الشائعات بنحو 38%، مما يعكس تطورًا ملحوظًا في مستوى الوعي المجتمعي وزيادة الاعتماد على المصادر الرسمية في الحصول على المعلومات، إلى جانب تحسن سرعة الاستجابة الإعلامية من قبل المؤسسات الوطنية
يشير المركز إلى أن حجم استهداف الأردن بالشائعات في المرحلة الحالية كان أقل من السابق، رغم العدد المرتفع، نتيجة زيادة التدفق الإعلامي الرسمي وحرص الجهات المعنية على تزويد المواطنين بالمعلومات أولًا بأول، مما حدّ من تأثير هذه الشائعات
دعا المركز الوطني لإدارة الأزمات المواطنين إلى ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية وعدم الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، مشددًا على أهمية التحقق قبل النشر أو التداول، لما لذلك من دور في حماية السلم المجتمعي
كما أعرب عن ثقته بوعي المواطن الأردني وقدرته على التعامل بمسؤولية مع ما يتم تداوله من معلومات، مؤكدًا أن التكاتف المجتمعي والوعي الفردي يشكلان حجر الأساس في مواجهة مثل هذه التحديات.
قال خبير الذكاء الاصطناعي الدكتور محمد عطير إن الشائعات في أوقات الأزمات تمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار، مضيفًا أن الدراسات الدولية تشير إلى أن المعلومات المضللة تنتشر بوتيرة أسرع بكثير من الأخبار الصحيحة
تشير تقارير صادرة عن منظمة اليونسكو إلى أن الأزمات السياسية والصحية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في تداول الشائعات، فيما أظهرت دراسة لمعهد MIT أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة تصل إلى 70% أسرع من الأخبار الدقيقة
في السياق الأردني، أشار عطير إلى أن الاعتماد الكبير على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيس للأخبار، إلى جانب التأثر المباشر بالأحداث الإقليمية، يزيد من خطورة الشائعات ويضاعف من تأثيرها على الرأي العام
أكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في رصد الشائعات وتحليل أنماط انتشارها، من خلال تقنيات قادرة على تتبع مصادر الأخبار وكشف التلاعب في المحتوى، حيث تسهم هذه التقنيات في دعم جهود التحقق وتعزيز مصداقية المعلومات
حول أساليب انتشار الشائعات، أوضح عطير أنها تعتمد على تكتيكات مدروسة تستهدف التأثير على المشاعر، مثل استخدام عناوين مثيرة، والإشارة إلى مصادر غير موثوقة، وإعادة نشر أخبار قديمة بصياغة جديدة، إضافة إلى استغلال القضايا الحساسة
أشار إلى أن الشائعات لم تعد مجرد سلوك فردي، بل أصبحت جزءًا من ما يُعرف بـ”الحرب المعلوماتية”، حيث يتم توظيف المعلومات والتضليل لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، مؤكدًا أن هذه الحملات تُدار في كثير من الأحيان بشكل منظم للتأثير على الرأي العام
فيما يتعلق بدور الجهات الرسمية، أكد عطير أن الفراغ المعلوماتي يشكل بيئة خصبة لانتشار الشائعات، مضيفًا أن سرعة وشفافية المؤسسات في تقديم المعلومة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهتها
كما أشار إلى أهمية دور الإعلام المهني في التحقق من الأخبار قبل نشرها، وتقديم محتوى موثوق، وتصحيح المعلومات المغلوطة بشكل سريع، خاصة في ظل حساسية الوضع الإقليمي وتأثيره المباشر على الشارع الأردني
وعن التحديات، أوضح أن جهود مكافحة الشائعات تواجه صعوبات عدة، أبرزها سرعة انتشار المحتوى مقارنة بسرعة التحقق، وتطور تقنيات التزييف العميق، وصعوبة التمييز بين الحسابات الحقيقية والمزيفة، إضافة إلى محدودية الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين
أكد عطير أن وعي المواطن يبقى العامل الأهم في الحد من انتشار الشائعات، داعيًا إلى ضرورة التحقق من مصادر الأخبار وعدم الانجرار وراء المحتوى غير الموثوق، مشيرًا إلى أن مواجهة الشائعات مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد
نبّه الصحفي خالد القضاة إلى أن توقيت الشائعات يلعب دورًا محوريًا في تأثيرها، حيث يتم بثها غالبًا في أوقات الذروة الإخبارية أو عند غياب المعلومة الدقيقة، مما يجعلها أكثر قابلية للتصديق والانتشار
أضاف أن بعض الجهات تستغل حالة التوتر الإقليمي لبث رسائل مضللة تستهدف الداخل الأردني، سواء من خلال إثارة المخاوف الاقتصادية أو الأمنية، مؤكدًا أن الانجرار وراء هذه الشائعات دون تحقق يسهم في تحقيق أهداف مروجيها
شدد القضاة على أن الإعلام الوطني يتحمل مسؤولية كبيرة في التصدي لهذه الظاهرة، من خلال تقديم المعلومة الدقيقة بسرعة وشفافية، وتعزيز ثقة المواطنين بالمصادر الرسمية، إلى جانب دور المواطن في عدم إعادة نشر أي محتوى غير موثوق

