في العاشر من فبراير، وقبل أربعين عاماً، شهدت مدينة باليرمو الإيطالية حدثاً بارزاً حيث تحولت الشوارع إلى ساحة مغلقة وطائرات الهليكوبتر تحلق في السماء، بينما كانت منصات الصواريخ المضادة للطائرات تعتلي أسطح المباني، لم يكن ذلك استعداداً لحرب عالمية بل كان افتتاح محكمة المخبأ (Bunker Trail) لاستقبال 474 من قادة المافيا، في مشهد وضع دولة العصابات أمام دولة القانون بشكل مباشر.

محكمة المخبأ

ذكرت صحيفة إنفوباى الأرجنتينية أن محكمة المخبأ أصبحت بمثابة قفص لترويض المافيا التي كانت تمتلك جيوشاً، مما اضطر الحكومة الإيطالية إلى بناء قاعة محكمة تحت الأرض قادرة على تحمل الهجمات.

4
داخل القاعة، كانت المشاهد غير عادية حيث احتجز قتلة مأجورون ورؤساء عائلات وجنود شوارع في أقفاص حديدية ضخمة، لم يكن هؤلاء المجرمون مجرد متهمين بل كانوا أساطير في عالم الجريمة، مثل ميشيل جريكو الملقب بالبابا الذي حاول بدم بارد أن يبارك القضاة في خطاب ديني ساخر، بينما قام زميله في القفص المجاور بتدبيس شفتيه بدباسة حديدية في صمت جنائزي ليعلن التزامه بقانون الأوميرتا أو الصمت المقدس

فالكوني وبورسلينو

وقف الفارسان اللذان لم يعرفا الخوف خلف منصة الادعاء وهما جيوفاني فالكوني وباولو بورسلينو، حيث استخدما سلاحاً لم تتوقعه المافيا وهو الاعترافات، وبفضل توماسو بوشيتا، أول قيادي كبير يكسر حاجز الصمت بعدما أبادت المافيا عائلته، استطاع القاضيان رسم الهيكل التنظيمي للمافيا لأول مرة، وأثبتا للعالم أن المافيا ليست مجرد جرائم متفرقة بل هي دولة عميقة تدار من غرفة عمليات واحدة تسمى اللجنة.

1
1

مقامرة الموت

لم تمر المحاكمة بسلام حيث ردت المافيا بالرصاص والمتفجرات خارج القاعة، مغتالة قضاة وضباطاً وشهوداً، ورغم صدور أحكام تاريخية بالسجن لآلاف السنين، إلا أن الضريبة كانت قاسية حيث دفع فالكوني وبورسلينو حياتهما في انفجارات مروعة عام 1992، لكن المفاجأة كانت في رد فعل الشعب الإيطالي الذي انتفض ضد المافيا لأول مرة، محولاً جنازة القضاة إلى ثورة شعبية أدت في النهاية إلى سقوط “توتو ريينا” أشرس زعماء المافيا في التاريخ.

2
أشارت الصحيفة إلى أنه بعد أربعين عاماً، تظل محاكمة القرن هي الدرس الأهم في تاريخ العدالة، ففي ذلك اليوم، أثبتت إيطاليا أن القضبان الحديدية يمكنها أن تروض أقوى الشياطين إذا توفرت الإرادة السياسية والشجاعة القضائية، فالقفص الذي حبسوا فيه قبل أربعين عاماً لم يكن لحبس أجسادهم فقط بل كان لحبس أسطورة المافيا التي لا تقهر