عمان – تواجه الأنواع المهاجرة في البيئات البحرية تهديدات متزايدة نتيجة للصيد العرضي والتلوث والضوضاء البحرية، بالإضافة إلى توسع الأنشطة البشرية في البحار، وذلك وفقًا لورقة موقف حديثة صادرة عن الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وفي هذا السياق، تبرز تجربة محمية العقبة البحرية في الأردن كاستجابة وطنية تتضمن أربعة خطط عمل متخصصة لحماية أسماك القرش والثدييات البحرية والسلاحف والطيور البحرية في خليج العقبة، مما يعكس توجهًا متقدمًا في إدارة التنوع الحيوي البحري، قائمًا على الرصد العلمي طويل الأمد وتعزيز الأطر المؤسسية والقانونية للحماية، وتوسيع التعاون الإقليمي مع دول البحر الأحمر، بالتوازي مع إشراك المجتمعات المحلية والقطاع السياحي في جهود الحفاظ على النظم البيئية البحرية.

تسعى محمية العقبة لتسجيلها على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مما يعكس مسارًا متكاملاً يربط بين الاعتراف الدولي وتطوير أدوات الإدارة البيئية، ويعزز موقع خليج العقبة كنقطة محورية لحماية الأنواع المهاجرة في البحر الأحمر ودعم التزامات الأردن الدولية في مجال التنوع الحيوي، وتخوض إدارة المحمية في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة مرحلة تسجيلها كأحد مناطق التراث العالمي التابعة لـ”اليونسكو”، حيث حصلت على الشهادتين: الخضراء الدولية من الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة والعلم الأزرق، وفق مديرها ناصر الزوايدة، الذي أشار إلى أن المحمية اعتمدت أربع خطط عمل وطنية متخصصة لحماية الأنواع البحرية المهاجرة، شملت أسماك القرش والثدييات البحرية والطيور البحرية والسلاحف البحرية ضمن مشروع إقليمي مع الهيئة الإقليمية لحماية بيئة البحر الأحمر وخليج عدن

تمثل هذه الخطط، وفق تصريحات الزوايدة، إطارًا عمليًا لتعزيز إجراءات الحماية والبحث العلمي والمراقبة طويلة الأمد، وتطوير آليات التعاون الإقليمي والدولي في إدارة الأنواع المهاجرة في البحر الأحمر، حيث ستنفذ المحمية هذه الخطط عبر دعم الدراسات العلمية وتعزيز نظم المراقبة البيئية وتطوير برامج التوعية، مما يعكس التزامًا مستمرًا بمواكبة أفضل الممارسات العالمية في إدارة الأنواع المهاجرة وحماية النظم البيئية البحرية.

تؤكد هذه الجهود المكانة المتقدمة للمحمية كنموذج إقليمي في الإدارة المتكاملة للمناطق البحرية المحمية ودعم الجهود الدولية الرامية لحماية الأنواع، وقد قدم الزوايدة تفاصيل أكثر حول الخطة التي ترتكز على محاور رئيسة، تشمل تطوير برامج الرصد العلمي المنتظم وجمع البيانات الميدانية حول توزيع الأنواع البحرية وأعدادها وحالتها الحفظية، مما يسهم في دعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة العلمية.

كما تضمنت الخطة تعزيز الأطر القانونية والمؤسسية المرتبطة بحماية التنوع الحيوي البحري وتحسين آليات التنفيذ والرقابة على الأنشطة البشرية التي قد تؤثر سلبًا على هذه الأنواع، مثل الصيد غير المنظم أو الأنشطة الساحلية والبحرية المختلفة، وأولى الخطة اهتمامًا خاصًا برفع مستوى الوعي البيئي وتعزيز المشاركة المجتمعية عبر إشراك الصيادين والمجتمعات المحلية والقطاع السياحي بجهود الحماية، وتطوير مبادرات تدعم سبل العيش المستدامة المتوافقة مع الحفاظ على النظم البيئية البحرية.

ستسعى الخطة أيضًا إلى تعزيز التعاون الإقليمي مع دول البحر الأحمر وخليج العقبة والمنظمات الدولية ذات الصلة وتأمين مصادر تمويل مستدامة لضمان استمرارية تنفيذ برامج الحماية والرصد العلمي، بينما يتمثل هدفها الإستراتيجي في ضمان الحفاظ طويل الأمد على هذه الأنواع وموائلها الحيوية في خليج العقبة عبر نهج متكامل قائم على العلم والإدارة التكيفية والشراكة بين المؤسسات الوطنية والإقليمية.

تأتي تلك الخطط بالتزامن مع ورقة موقف أصدرها الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة تهدف لتعزيز الجهود الدولية لحماية الأنواع المهاجرة والحد من ارتفاع التهديدات للبيئات البحرية، وعلى رأسها الصيد العرضي والتلوث والضوضاء البحرية، وفق المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد، وتُعد اتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة إحدى الاتفاقيات البيئية متعددة الأطراف التي صادقت عليها الحكومة في العام 2001.

في هذا السياق، تبرز ريادة العمل في المحمية بإعداد خطط عمل وطنية متخصصة، جاءت نتيجة تقييم وطني شامل للتنوع الحيوي البحري في الخليج، ترتكز على حماية الثدييات وأسماك القرش والسلاحف والطيور البحرية، وفق عيد، حيث تمثل هذه الخطط استجابة عملية لتوصيات الاتفاقية والتوجهات الدولية الحديثة في إدارة التنوع الحيوي البحري، كما تعكس مستوى متقدمًا من التخطيط الإستراتيجي البيئي في الأردن، وقد طورت الخطط بشكل تشاركي واسع مع مختلف الجهات المعنية من مؤسسات حكومية وبحثية ومنظمات مجتمع مدني، حيث جرى تحليل ومراجعة جميع البيانات العلمية المتوافرة لفهم تركيبة الأنواع البحرية المسجلة في خليج العقبة.

أظهر تقييم التنوع الحيوي أن الخليج يحتضن 14 نوعًا من أسماك القرش، منها 7 أنواع مؤكدة التسجيل و7 أخرى يُتوقع وجودها استنادًا لتسجيلها في دول مجاورة مثل السعودية ومصر، كما جاء في التقييم أن هنالك 4 أنواع سلاحف بحرية و9 من الثدييات البحرية وأكثر من 40 نوعًا من الطيور البحرية التي تستخدم المنطقة كممر للهجرة أو كمناطق تغذية واستراحة، وتشمل هذه القائمة أنواعًا ذات أهمية عالمية في الحفظ مثل قرش المطرقة وسلحفاة منقار الصقر المصنفين ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشكل حرج.

تعد هذه الإستراتيجيات وخطط العمل خطوة مهمة لدعم رؤية التحديث الاقتصادي، خاصة محور “بيئة مستدامة” في تعزيز الإدارة العلمية للموارد البحرية في خليج العقبة، ودعم توجه الأردن ليكون مركزًا إقليميًا للبحث والتعاون البيئي في البحر الأحمر، حيث إن تنفيذها لا يقل أهمية عن صياغتها، ما يعد ضرورة إستراتيجية، ليس فقط لحماية التنوع الحيوي البحري في الخليج، بل أيضًا لتعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتعاون العلمي والبيئي في البحر الأحمر.

كما أن تطبيق هذه الخطط، وفق تأكيدات عيد، سيسهم في تعزيز التعاون الإقليمي بين دول البحر الأحمر في حماية الأنواع المهاجرة وتحسين إدارة الموارد البحرية ودعم السياحة البيئية المستدامة وتعزيز التزام الأردن بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتنوع الحيوي، مشددًا على أن الخطط تبرز أهمية الإسراع بتنفيذها باعتبارها محورية في حماية الأنظمة البيئية البحرية وضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة وترسيخ دور محمية العقبة البحرية كنموذج إقليمي متقدم في إدارة وحماية التنوع الحيوي البحري.

تمثل الدورة الـ15 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأنواع المهاجرة فرصة لتعزيز حماية الأنواع المهاجرة وموائلها عالميًا، ففي ورقة موقف حصلت “الغد” على نسخة منها، يدعو الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة الدول الأطراف لاتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة لمواجهة التهديدات المتزايدة لهذه الأنواع وضمان استدامة النظم البيئية التي تعتمد عليها، وإدماج خطة سمرقند الإستراتيجية للأنواع المهاجرة للأعوام (2024–2032) ضمن الإستراتيجيات الوطنية للتنوع الحيوي وخطط العمل ومواءمتها مع الإطار العالمي للتنوع الحيوي كونمينغ– مونتريال لتعزيز استعادة الأنواع والموائل.

تؤكد الورقة أن الصيد العرضي يمثل أحد أكبر التهديدات للأنواع البحرية المهاجرة مثل القروش والشفنين والثدييات البحرية والطيور البحرية وبعض أنواع الأسماك، إذ توصي بتطبيق تدابير مثل تعديل معدات الصيد وتحسين المراقبة وتعزيز التقارير الخاصة بالأنواع، مشددة على أهمية الحفاظ على الممرات البيئية ومسارات الهجرة عبر الأنهار والمناظر الطبيعية والبحرية ودمج ذلك في التخطيط المكاني وتقييمات الأثر البيئي ومبادرات التعاون العابر للحدود.

دعت الورقة لإنشاء مجموعة عمل متعددة الأطراف لمعالجة الصراع بين الإنسان والحياة البرية ومعالجة قضايا مثل الصيد غير القانوني والتلوث الضوضائي والضوئي وآثار البنية التحتية، كما تشجع الورقة على استخدام مناطق ذات أهمية علمية للحفاظ على الأنواع مثل مناطق التنوع الحيوي الرئيسة والثدييات البحرية المهمة والقروش والشفنين المهمة، وذلك لدعم التخطيط البحري وإنشاء المناطق المحمية.