يتزامن اليوم العالمي للسمنة هذا العام مع شهر رمضان المبارك، حيث يمثل الصيام فرصة لتحسين العادات الغذائية وتعزيز الصحة لدى الأفراد الذين يعانون من الوزن الزائد، بالإضافة إلى كونه فرصة للإقلاع عن التدخين، مما يعكس أهمية هذه الفترة في تعزيز الصحة العامة.

وبحسب إحاطة إعلامية نشرها المجلس الأعلى للسكان بمناسبة اليوم العالمي للسمنة الذي يصادف غدا الأربعاء، الموافق 4 آذار، فإن زيادة الوزن والسمنة يتم قياسهما باستخدام مؤشر كتلة الجسم (BMI) الذي يُحسب بقسمة وزن الشخص بالكيلوغرام على مربع طوله بالمتر، حيث يُعتبر الشخص زائد الوزن إذا كان المؤشر بين 25 و29، بينما يُصنف المصاب بالسمنة إذا كان المؤشر 30 أو أكثر.

ويشير التقرير العالمي للتغذية لعام 2024 إلى أن السمنة تُعد من أبرز التحديات الصحية في الأردن، حيث أظهرت معدلات انتشار مرتفعة مقارنة بالمعدلات الإقليمية، إذ يعاني نحو 46 بالمئة من النساء البالغات و32 بالمئة من الرجال البالغين من السمنة، كما أن حوالي 60 بالمئة من البالغين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، مما يُشكل عبئًا صحيًا كبيرًا على النظام الصحي الأردني.

وتتوافق نتائج مسح السكان والصحة الأسرية لعام 2023 في الأردن مع ما تظهره التقارير العالمية بشأن السمنة، حيث أظهرت زيادة واضحة في نسبة النساء في سن الإنجاب اللواتي يعانين من السمنة أو زيادة الوزن، فقد بلغت النسبة بين النساء في الفئة العمرية 15-19 سنة 35.4 بالمئة، وترتفع إلى 64.1 بالمئة بين النساء في الفئة العمرية 20-49 سنة، بينما تصل إلى 83.6 بالمئة بين السيدات الأكبر سنًا في الفئة العمرية 40-49 سنة، مما يُعتبر مؤشرًا مهمًا على انتقال المخاطر الصحية عبر المراحل العمرية.

وتصل نسبة الأطفال الذين يعانون من السمنة إلى 10 بالمئة بين الأطفال الذين تعاني أمهاتهم من السمنة أو زيادة الوزن، مقارنة بـ5 بالمئة لدى الأطفال الذين أمهاتهم بوزن طبيعي، و4 بالمئة لدى أطفال الأمهات النحيلات، كما تظهر البيانات وجود تدرج اقتصادي واضح، حيث ترتفع نسبة الأطفال المصنفين ضمن فئة المصابين بالسمنة مع زيادة مستوى رفاه الأسرة، من 7 بالمئة بين أدنى شريحة رفاه إلى 13 بالمئة بين أعلى شريحة رفاه.

ويحمل اليوم العالمي للسمنة لعام 2026 شعار الدعوة إلى اعتبار السمنة مرضًا مزمنًا يحتاج إلى فهم شامل وتدخلات منهجية متعددة المستويات، وليس مجرد اختيار شخصي أو ضعف إرادة، حيث إن السمنة تزيد من احتمال الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وارتفاع ضغط الدم ومشكلات التنفس وبعض أنواع السرطان، كما يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية مما يؤدي إلى مشكلات مثل الاكتئاب والشعور بعدم احترام الذات، إلى جانب تأثيراتها المحتملة في الإنجاب والصحة الجنسية والإنجابية للمرأة والرجل معًا.

وفي السياق الأردني، تظهر الدراسات أن ارتفاع معدلات السمنة يرتبط أيضًا بعوامل اجتماعية واقتصادية، مثل التحول الحضري وانخفاض النشاط البدني وانتشار الأغذية عالية السعرات الحرارية، وقد رافق ارتفاع السمنة زيادة في الأمراض غير السارية مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، مما يعزز النظر إلى السمنة كمحدد رئيس للصحة العامة، وليس كحالة معزولة.

وبينت دراسات عالمية منشورة أن للسمنة تأثيرًا في البيئة والتغير المناخي، حيث يأتي هذا التأثير نتيجة الإفراط في تناول الأغذية وارتفاع معدلات الأيض وزيادة استهلاك الوقود بسبب الاعتماد الأكبر على وسائل النقل بدلاً من المشي، وكل ذلك يسهم في انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري والتغير المناخي.

ويمثل ارتفاع معدلات السمنة تحديًا يتجاوز القطاع الصحي ليشمل الأبعاد التنموية والاجتماعية، حيث تُعد السمنة عاملًا رئيسيًا في زيادة العبء المرضي المرتبط بالأمراض المزمنة، مما ينعكس على الإنتاجية الاقتصادية وتكاليف الرعاية الصحية وجودة الحياة، ومن هذا المنطلق يبرز دور الجهات الوطنية المعنية بالسياسات السكانية والصحية مثل المجلس الأعلى للسكان في إدماج قضايا التغذية والصحة ضمن الاستراتيجيات الوطنية للتنمية المستدامة.

ويتمثل دور المجلس الأعلى للسكان في قدرته على ربط المؤشرات الصحية بالسياق الديموغرافي الأوسع، مما يسهم في توجيه السياسات الوطنية نحو استجابة أكثر شمولًا واستنادًا إلى الأدلة، ولا يقتصر دور المجلس على تحليل البيانات الديموغرافية والصحية فحسب، بل يمتد إلى تعزيز التكامل بين القطاعات المختلفة وتطوير مقاربات سياسية تراعي التباينات المرتبطة بالعمر والجنس والموقع الجغرافي والحالة الاقتصادية.

يشار إلى أن ما تقدم من بيانات يدعو السياسات الصحية إلى الانتقال من التركيز على المسؤولية الفردية للأشخاص إلى معالجة العوامل الهيكلية التي تؤثر في خيارات الأفراد وسلوكياتهم الصحية، حيث إن النجاح في مواجهة التحدي الصحي للسمنة يعتمد على معالجة السياق الاجتماعي والاقتصادي والبيئي الذي يحدد أنماط الصحة في المجتمع الأردني، والتشجيع على اتباع أنماط حياة صحية بوصفها وسيلة للوقاية من السمنة مع توضيح مخاطرها الصحية وطرق الوقاية منها.