تشهد الأوضاع الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تعقيدات متزايدة تعكس صعوبة الخروج من هذه الحرب التي تفتح المجال أمام احتمالات متعددة، حيث تواجه واشنطن ضغوطًا داخلية وسياسية واقتصادية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيراتها العالمية، بينما تسعى إسرائيل لاستغلال الوضع لتعزيز مكاسبها من خلال استهداف القيادات الإيرانية وزعزعة استقرار النظام من الداخل، في الوقت الذي تحاول فيه إيران إظهار صمودها أمام العالم من خلال ترسانتها الصاروخية رغم الضغوط التي أضعفت قدراتها بشكل ملحوظ.
ضغوط على واشنطن وصمود إيراني
في هذا السياق، أوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي أن جميع الأطراف المعنية في الحرب الحالية تواجه معضلة الخروج منها، لكن الولايات المتحدة تبدو الأكثر تعرضًا لضغوط داخلية هائلة سواء على المستوى السياسي المرتبط بالرئيس وإدارته أو على الصعيد الاقتصادي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وأشار الماضي إلى أن إسرائيل لا تُظهر استعجالًا لإنهاء الحرب، حيث تعتبر أنها تحقق مكاسب كبيرة من خلال استهداف القيادات الإيرانية سواء السياسية أو العسكرية، بالإضافة إلى محاولاتها لإحداث اختراقات داخل المجتمع الإيراني لزعزعة النظام.
الوقت ليس في صالح إيران
أما إيران، فتحاول إظهار صورة الصمود أمام العالم من خلال ترسانتها الصاروخية الكبيرة، رغم أن العديد من منصات الإطلاق قد دُمرت، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار في استخدام الصواريخ كأداة ردع ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وأكد الماضي أن إنهاء الحرب قد يكون في مصلحة كل من الولايات المتحدة وإيران، لكنه لن يكون في مصلحة إسرائيل التي تعتبر استمرارها فرصة لتعزيز مكاسبها الإستراتيجية، وأشار إلى أن وقف العمليات العسكرية دون إعادة تموضع للسياسة الإيرانية أو تغييرات جذرية في بنية النظام السياسي سيجعل أي تسوية غير مجدية، موضحًا أن الأمل في إنهاء الحرب يرتبط بتحولات داخلية عميقة في إيران.
لعبة الوقت بين واشنطن وطهران
الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد أكد أن الولايات المتحدة تدرك أن القيادة الإيرانية تراهن على إطالة أمد الحرب في إطار ما يُعرف بـ”حرب الاستنزاف”، حيث تعتبر أن مرور الوقت لا يكلفها الكثير بينما يزيد من خسائر واشنطن، وأوضح أن الإدارة الأميركية تعاملت مع هذا السيناريو منذ البداية، إذ أعلنت أن العمليات ستستمر أسبوعين ثم مددت لـ4 أسابيع ثم 6، مما يعكس إدراكها لطبيعة الرهان الإيراني على عامل الزمن، وأشار إلى أن هذه المقاربة تمثل سلاحًا ذا حدين، حيث يعتمد الصمود على القدرات العسكرية والاقتصادية ومخزون الأسلحة، بالإضافة إلى القدرة على إدارة الحرب سياسيًا واقتصاديًا، ولفت إلى أن إيران تراهن على مضيق هرمز والأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة وارتفاع أسعار النفط، لكن الرئيس الأميركي أكد أن واردات بلاده من نفط هرمز لا تتجاوز واحدًا في المئة، وأن واشنطن عوضت ذلك بالنفط الفنزويلي وبمخزوناتها الاستراتيجية.
التأثيرات الاستراتيجية
ورأى الرداد أن إطالة الحرب تصب في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل نظرًا لتفوقهما في المخزون العسكري والقدرة على التكيف مع الخسائر، بينما تخسر إيران نقاطًا إستراتيجية يومًا بعد يوم، حيث فقدت طهران عددًا من قادتها البارزين في الأسابيع الماضية، مما يزيد من احتمالات الإعلان عن اغتيالات جديدة تطال شخصيات رفيعة في السلطة القضائية والبرلمان، وأشار إلى أن حجم الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة تراجع بشكل ملحوظ حتى ضد دول الخليج التي سعت طهران لتوسيع رقعة الحرب إليها، مؤكدًا أن عامل الوقت لا يخدم إيران وأن الورقة الاستراتيجية المرتبطة بمضيق هرمز باتت مهددة، خاصة مع الضربات التي طالت بندر عباس وقواعد الحرس الثوري هناك، وسط مؤشرات على خطط أميركية لاحتلال جزر خرج وقشم لضمان بقاء المضيق مفتوحًا.
استمرار العمليات العسكرية
بدوره، أشار الباحث والمحلل السياسي جهاد حرب إلى أن المشهد الحالي يعكس ما يشبه “لعبة العض على الأصابع” بين الولايات المتحدة وإيران حيث يسعى كل طرف لإطالة أمد الحرب لكسب مزيد من أوراق الضغط على الآخر، وأوضح حرب أن طهران تراهن على أن استمرار المواجهة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط مما ينعكس على الأسواق العالمية ويهدد بركود اقتصادي يضع ضغوطًا إضافية على الرئيس الأميركي، وفي المقابل، تواصل الإدارة الأميركية عملياتها العسكرية مركزة على تدمير القدرات الإيرانية، بينما تتولى إسرائيل تنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات بارزة في النظام الإيراني، ورغم ذلك، يرى حرب أن شخصية ترامب التي تميل إلى استعجال تحقيق الانتصار قد تدفعه إلى خيارات أكثر حدة خاصة في ظل الضغوط الداخلية والخارجية، مشيرًا إلى أن إيران لن تُقدم على وقف عملياتها العسكرية في الخليج أو ضد إسرائيل في هذه المرحلة لأنها تدرك أن أي تهدئة دون اتفاق يضمن توقف الهجمات الإسرائيلية ستبقيها في موقع الخطر، ومن المرجح أن تستمر في إطلاق هجمات متفرقة سواء بالصواريخ أو الطائرات المسيرة بهدف إبقاء حالة التوتر قائمة إلى أن يتم التوصل إلى حلول تفاوضية شاملة.

