يُظهر الأدب التربوي المستند إلى علم النفس أن الإنسان يبدأ في اكتساب مهارات التعلم بشكل فعّال في سن الست سنوات، بينما يمكنه قبل ذلك الخضوع لعمليات تدريبية، حيث يتضح أن التعليم يتجاوز التدريب من حيث توفير قاعدة معرفية شاملة، في حين يركز التدريب على تطوير مهارات محددة، وغالبًا ما يكون الأداء فيه آليًا.

اختيار عمر الست سنوات كموعد للالتحاق بالمدرسة لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة دراسات تربوية وطبية ونفسية، حيث يشهد الطفل في هذا العمر انتقالًا من مرحلة الطفولة المبكرة إلى الطفولة المتأخرة، مما يعزز نموه الجسمي والمعرفي والاجتماعي، ويجعله قادرًا على التحكم في عضلاته الدقيقة، مما يمكنه من القيام بأنشطة مثل الكتابة أو ربط الحذاء، إضافةً إلى زيادة الطول وتصلب العظام، مما يسهل عليه العناية الذاتية والانخراط في اللعب الهادف.

تغيرت الظروف الاجتماعية بعد الثورات الصناعية، حيث أصبحت الأم تعمل خارج المنزل، مما جعل خيار الحضانة ورياض الأطفال جذابًا للآباء، فازدحمت المدن والقرى بمؤسسات تعليمية تهدف إلى احتواء الأطفال خلال فترة غياب الأم، مع تهيئة الطفل للدخول إلى المدرسة بشكل سلس، إلا أن هذا التوجه غالبًا ما أدى إلى التركيز على الجانب الأكاديمي بشكل مبالغ فيه، مما أثر سلبًا على الجوانب النفسية والانفعالية للطفل، حيث وجد الأطفال أنفسهم محملين بعبء التعلم قبل أن يكونوا مستعدين لذلك، مما أدى إلى تجارب تعليمية سلبية.

عند دخول الأطفال الذين أتيحت لهم فرصة التعليم في رياض الأطفال إلى الصف الأول، قد يشعرون بعدم جدوى وجودهم في المدرسة، إذ يكونون قد تدربوا على مهارات القراءة والكتابة مسبقًا، مما يجعلهم مصدر إزعاج للمعلمين، ويؤدي إلى فقدان العملية التعليمية لجاذبيتها، مما يثقل كاهل المعلم، حيث يدرك أن عدم إشغال الطفل يعني أنه سيشغله.

تشير الدراسات النفسية التربوية إلى أن مدة الحصة الدراسية المثلى تبلغ 45 دقيقة، حيث يتراوح انتباه الطلبة بين 15 و20 دقيقة، ويمكن تقسيم وقت الحصة بشكل فعّال، حيث يُخصص 5 دقائق لدخول المعلم وتهيئة الطلبة، و20 دقيقة لشرح الدرس، و15 دقيقة لتنويع الأنشطة واستخدام الوسائل التعليمية، و5 دقائق لتحديد الواجبات المنزلية.

تتزايد الضغوط النفسية على أطفال الروضة عندما تتداخل تطلعات أولياء الأمور مع أهداف إدارة الروضة، مما يؤدي إلى التركيز على الجانب الأكاديمي كمعيار للتميز، مما يجعل الطفل يشعر بالضغط ويكون له تأثير سلبي على نظرته للتعلم، حيث تتلاشى اللحظات السعيدة ويترسخ لديه شعور بالعقاب.

في بيئة تعليمية تفتقر للعب الحر، يفقد الطفل فرصة تنمية مهاراته الاجتماعية والجسدية، مما يستدعي ضرورة التركيز على المهارات الوظيفية الحياتية في منهاج رياض الأطفال، مثل الاستيقاظ مبكرًا وترتيب السرير، والاهتمام بالنظافة الشخصية، والالتزام بالنظام واحترام المعلم والزملاء، كما يجب أن يتضمن المنهاج رحلات ميدانية لتعزيز التعلم من خلال التجارب الحياتية.

إن استبعاد الرحلات الميدانية والتركيز على الجانب الأكاديمي فقط يجعل إدارات رياض الأطفال تبدو تجارية، مما يهدد الجوانب الانفعالية والجسدية لشخصية الأطفال، لذا يجب أن نكون حذرين في تسريع عملية التعليم، حيث هناك متسع من الوقت في الصفوف الأولى لتحقيق الأهداف التعليمية المرجوة.