دخلت العلاقات الأردنية–الإندونيسية مرحلة جديدة تعكس تطوراً نوعياً يتجاوز الأساليب الدبلوماسية التقليدية نحو شراكة شاملة متعددة المسارات، وقد اكتسبت هذه العلاقات زخماً ملحوظاً بعد زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني الأخيرة إلى جاكرتا، والتي تمثل خطوة استراتيجية في الوقت المناسب، مستندة إلى أجواء من الثقة السياسية وعلاقات خاصة مع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو.

تتميز هذه العلاقة بأنها ليست مجرد تبادل للمصالح، بل تعتمد على رأسمال سياسي وثقافي مشترك يمكن، إذا أُحسن استثماره، أن يتحول إلى فرص اقتصادية فعلية، مما يتيح لرؤوس الأموال وصنّاع القرار بيئة موثوقة في العلاقات الدولية المعاصرة.

تُظهر إندونيسيا، بخلاف بعض الانطباعات، اقتصاداً ضخماً يُعتبر من الأكبر عالمياً، حيث إنها عضو في مجموعة العشرين (G20) وتبلغ قيمة ناتجها المحلي الإجمالي نحو 1.44 تريليون دولار، مما يفتح آفاقاً واسعة لعلاقات اقتصادية معمقة، وهو ما تجلى في مذكرة التفاهم الأخيرة بين وزارة الاستثمار الأردنية وصندوق الثروة السيادي الإندونيسي، التي تمثل مدخلاً عملياً لتعاون قابل للتوسع.

تتعدد المسارات المهمة لتطوير العلاقات الأردنية–الإندونيسية، حيث يبرز ملف الفوسفات كفرصة للتحول من تجارة تقليدية إلى شراكة صناعية متكاملة تشمل استثمارات في الصناعات الزراعية المرتبطة به مثل الأسمدة المركبة وحامض الفسفوريك وإضافات الأعلاف، مما يعزز موقع الأردن كمنصة إقليمية في هذا القطاع الحيوي.

كما يمثل السياحة الدينية والتعليم الديني مساراً ثانياً مهماً، حيث يمتلك الأردن قيمة تاريخية ودينية غنية، مما يجعله مقصداً مهماً للسياحة الدينية الآمنة، ويعزز ذلك خبرة الأردن في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وتدريس العلوم الشرعية، مما يخلق دخلاً مستداماً للمؤسسات التعليمية ويعزز النفوذ الثقافي الأردني كأداة من أدوات القوة الناعمة.

أما المسار الثالث، فيتعلق بالموقع الجغرافي للأردن الذي يؤهله ليكون بوابة استثمار وإعادة تصدير للبضائع الإندونيسية نحو أوروبا وأفريقيا وغرب آسيا، مما يتطلب تطوير مناطق لوجستية وصناعية وتشجيع التصنيع الخفيف وإعادة التصدير، ويبرز هنا مجال واعد هو اقتصاد الحلال الذي تُقدّر قيمته عالمياً بنحو 3 تريليونات دولار ويشهد تنافساً متسارعاً في إندونيسيا.

إضافة إلى ذلك، هناك بُعد استراتيجي واعد يتمثل في إمكانات التعاون الدفاعي والصناعات الدفاعية بين الأردن وإندونيسيا، حيث يمتلك البلدان خبرات متراكمة في هذا المجال، مما يتيح فرصاً لشراكات في مجالات التصنيع المشترك وتطوير المعدات والتدريب، بما يعزز الاكتفاء الذاتي ويفتح أسواقاً جديدة.

تعكس الأرقام التجارية بداية هذا التحول، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 921.7 مليون دولار عام 2024، مع صادرات أردنية تتركز في الفوسفات والأسمدة والبوتاس، مقابل واردات من زيت النخيل والمنسوجات والمنتجات الخشبية، ورغم أن الميزان التجاري يميل حالياً لصالح إندونيسيا، فإن طبيعة الشراكات المطروحة قادرة على إعادة التوازن على المدى المتوسط، كما أن هناك بُعد إقليمي يتمثل في إمكانية التعاون الأردني–الإندونيسي في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا.

تتطلب الفرص المتاحة اليوم مقاربة اقتصادية شاملة للعلاقات الأردنية–الإندونيسية، تتجاوز منطق التبادل التجاري إلى بناء شراكات استراتيجية في قطاعات محددة، على رأسها الفوسفات والسياحة الدينية والتعليم واللوجستيات واقتصاد الحلال والتعاون الدفاعي.