عند استعراض الخطاب المعاصر نجد أن هناك ميلاً ملحوظاً للحنين إلى الماضي وتقديس الشخصيات التاريخية، مما يثير تساؤلات حول أسباب هذه النظرة الماضوية وكيفية تأثيرها على تفكيرنا ومستقبلنا، حيث يبدو أننا محاصرون بأفكار الماضي مما يتطلب تحليلًا دقيقًا لأسباب هذا الاتجاه وأثره على حياتنا اليومية.

يتضح من خلال التأمل في التاريخ الإسلامي الممتد لأكثر من 1400 عام أن الشخصيات التي تُذكر بإعجاب غالبًا ما تقتصر على عدد محدود من القادة، مثل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي أطلق مقولته الشهيرة “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”، والذي أسس لمفهوم المسؤولية حين قال “لو أن بغلة عثرت بالعراق لسألني الله عنها يوم القيامة: لم لم أسوِّ لها الطريق”، بينما تبرز شخصيات أخرى مثل عمر بن عبد العزيز في العهد الأموي الذي عاقب الولاة الظالمين، والمأمون الذي شجع على الترجمة، مما يعكس تنوع التجارب القيادية في تلك الفترات

ومع ذلك، فإن هذه الأمثلة تبقى قليلة مقارنةً بالزمن الطويل الذي شهد حروبًا وصراعات على السلطة، كما أشار المفكر العربي أدونيس، مما يفتح المجال للتساؤل حول مدى تأثير هذه الأحداث على الذاكرة الجماعية للأمة.

تظهر الحقائق التاريخية أن الإمبراطورية الإسلامية تمكنت من السيطرة على مساحات شاسعة من العالم، مما يطرح سؤالاً حول مدى قدسية هؤلاء القادة وما إذا كانوا حقًا قديسين أو مجاهدين أو زاهدين، فقد يكون هذا صحيحًا في فترة الدولة الراشدة، لكن مع تولي معاوية الحكم، تغيرت العديد من المفاهيم الحوكمية، مما أدى إلى ظهور أنماط حياة تتسم بالمجون والترف، حيث أصبح اقتناء الجواري والعبيد أمرًا شائعًا كما يتضح من كتب التاريخ.

وعلى الرغم من ازدهار الحضارة الإسلامية، فإن العديد من الناس لم يلتزموا بتعاليم الدين، حيث شهدت تلك الفترات ارتكاب مخالفات شرعية وفتن بين المسلمين، لكن الحضارة الإسلامية تمكنت من الازدهار في ظل ظروف تاريخية مواتية نتيجة انهيار إمبراطوريات أخرى، حيث لعب الحافز الديني دورًا مهمًا في انتشار الإسلام في مناطق مثل شمال أفريقيا وفارس والهند، بينما ظلت بعض المناطق، مثل الأندلس، محتفظة بدينها الأصلي رغم مرور 800 عام من الحكم الإسلامي.

يمكن تفسير بقاء الإسلام في بعض المناطق بأنه جاء بعد فترة من الوثنية أو الأديان غير السماوية، حيث قدم الإسلام إجابات شاملة لتساؤلات لم تتمكن تلك المعتقدات من الإجابة عليها، بينما في المناطق التي سادت فيها رسالات سماوية مثل المسيحية واليهودية، لم يكن هناك تباين كبير يدفع الناس إلى التحول الكامل إلى الإسلام.

إن القادة التاريخيين لم يكونوا قديسين، رغم وجود بعض الفضلاء بينهم، بينما نحن لسنا بشياطين على الرغم من وجود من هو كذلك بيننا، فالفرق يكمن في أن أولئك القادة أتقنوا أدوات عصرهم وتطلعوا إلى المستقبل، بينما نحن نعيش في الماضي، مما يطرح تساؤلاً حول إمكانية تخليص أنفسنا من عقدة الاصطفائية والنظر إلى المستقبل بموضوعية.