على مدار عشرين عاماً، واجه الاقتصاد الأردني تحديات متعددة ومع ذلك تمكن من إعادة ضبط مساره والحفاظ على استقراره، مستنداً إلى خبرة مؤسسية تراكمية وقدرة متنامية على إدارة الأزمات، وفي ظل التحولات الاقتصادية السريعة وتغير موازين الاستقرار في المنطقة، يواصل الأردن تعزيز موقعه كاقتصاد قادر على التكيف والنمو، حيث يسعى إلى تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز الاستقرار والانطلاق نحو مرحلة تنموية أكثر رسوخاً.
تحسن المؤشرات الاقتصادية
تجلت ملامح هذا المسار بوضوح في المؤشرات الاقتصادية الأخيرة التي أظهرت تحسناً تدريجياً في فرص الانطلاقة الاقتصادية، مدعوماً بتوقعات تحقيق معدلات نمو أعلى وإدارة مالية أكثر استدامة، إلى جانب توسع العلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الإقليم والعالم، حيث سجلت الصادرات الوطنية نمواً بنسبة 9.9 % خلال عام 2025 مقارنة بـ6.2 % في عام 2024، واستمرت معدلات التضخم عند مستويات منخفضة بلغت نحو 1.77 %، بالتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي.
نتائج إيجابية في بداية العام
هذا الزخم الإيجابي أكدته أيضاً نتائج الشهرين الأولين من العام الحالي، حيث أظهرت بيانات البنك المركزي ارتفاع حوالات العاملين في الخارج خلال كانون الثاني 2026 بنسبة 11.9 % لتصل إلى نحو 373.6 مليون دولار، مما يعكس استمرار ثقة الأردنيين في الخارج بالاقتصاد الوطني وتدفق العملات الأجنبية إلى المملكة، وفي المقابل سجل الدخل السياحي خلال الفترة نفسها نحو 1.2 مليار دولار، بنمو أبطأ نتيجة الظروف الإقليمية وحالة عدم اليقين السائدة، فيما بقي التضخم عند مستويات منخفضة تقارب 1.11 % خلال الشهرين الأولين من العام.
القدرة على التكيف
في ظل التصعيد الإقليمي الأخير وما رافقه من اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، أظهر الاقتصاد الأردني قدرة واضحة على التكيف والحفاظ على توازناته المالية والنقدية والاستهلاكية الأساسية، وقد ساعدت الخبرات المتراكمة وتوفر مخزون استراتيجي من الطاقة والسلع الأساسية على تعزيز قدرة الحكومة على إدارة المرحلة بهدوء وواقعية، والانتقال من منطق الاستجابة الآنية إلى نهج التخطيط الاستراتيجي في التعامل مع التداعيات.
مرونة الاقتصاد الوطني
إن هذه القدرة لا تعكس فقط سياسات مالية ونقدية حذرة، بل تعكس أيضاً مرونة الاقتصاد الوطني وتنوع مصادر دخله الخارجية، فارتفاع الحوالات يسهم في التخفيف من أثر تباطؤ الإيرادات السياحية، كما يدعم نمو الصادرات الحفاظ على مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية، في حين يوفر تنوع مصادر الاستيراد قدراً مهماً من الاستقرار المعيشي والاستهلاكي، وهو ما يعزز من قدرة المالية العامة على الحفاظ على استقرارها النسبي رغم الضغوط.
إشارات إيجابية من الأسواق المالية
إلى جانب ذلك، تستمر الأسواق المالية المحلية في إرسال إشارات إيجابية تعكس ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني، كما يحافظ القطاع المصرفي على مستويات مرتفعة من الملاءة والسيولة بفضل سياسات نقدية متوازنة، الأمر الذي يدعم قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية والاستمرار في مسار التعافي.
التحديات المستقبلية
غير أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في الحفاظ على هذا الاستقرار، بل في تحويله إلى فرص نمو اقتصادي أوسع وأكثر شمولاً، ويتطلب ذلك تعزيز الاستثمار الإنتاجي، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع قاعدة التشغيل، إضافة إلى الاستعداد المبكر للتحولات الاقتصادية واللوجستية التي قد تفرزها التطورات الإقليمية والدولية الراهنة.
تعزيز تنافسية بيئة الاستثمار
ومن هنا، تبرز أهمية تحرك السياسات الاقتصادية بشكل استباقي نحو تعزيز تنافسية بيئة الاستثمار، من خلال تطوير حزمة حوافز نوعية موجهة للقطاعات ذات القيمة المضافة العالية، إلى جانب دراسة سياسات تخفيض كلف التمويل وتوسيع الوصول إلى الائتمان الإنتاجي، بما يسهم في جذب الاستثمارات طويلة الأمد القائمة على الاستقرار والاستدامة.
اختبار الخبرات الاقتصادية
فالأردن اليوم يقف أمام اختبار عملي لخبراته الاقتصادية وقدرته على استيعاب المتغيرات وتحويل التحديات إلى فرص، وهو يمتلك من عناصر الاستقرار السياسي ومتانة المؤسسات المالية ما يؤهله لتعزيز موقعه كاقتصاد موثوق في منطقة تتسم بالتقلبات، غير أن تحقيق ذلك يتطلب الاستمرار في مسار الإصلاح الاقتصادي وتوظيف المؤشرات الإيجابية الحالية لبناء نموذج نمو مستدام ينعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين.
قصة الاقتصاد الأردني
إن قصة الأردن في هذه المرحلة ليست مجرد قصة صمود، بل قصة اقتصاد يسعى بثبات إلى تحقيق نمو مسؤول ومتوازن في زمن متسارع التغيرات، اقتصاد يتعلم من الأزمات، ويبني من خلالها نموذجاً أكثر نضجاً وقدرة على المنافسة في المستقبل.

