في ظل التطورات السريعة في مجال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الدفاع، أصبح من الضروري إعادة تقييم معايير القوة العسكرية بحيث لم يعد قياسها مقتصرًا على حجم الترسانة التقليدية بل يعتمد أيضًا على القدرة على التكيف الاستراتيجي واستباق التحولات المستقبلية، حيث إن المعدات الثقيلة قد تفقد فعاليتها سريعًا دون رؤية استراتيجية واضحة، مما يبرز أهمية توجه الأردن نحو تعزيز قدرات الطائرات المسيّرة ودمجها ضمن قواته المسلحة كخيار استباقي يهدف إلى تعزيز الأمن الوطني والسيادة
لقد أظهرت الحروب الحديثة، مثل النزاع في أوكرانيا، التحولات العميقة في طبيعة القتال، حيث أثبتت الطائرات المسيّرة قدرتها على تغيير موازين القوى عسكريًا ونفسيًا واستراتيجيًا، مما جعلها رمزًا للصمود والكرامة الوطنية في الوعي الشعبي، وقد عززت هذه التجربة العالمية القناعة بأن التفوق العسكري لم يعد مرتبطًا فقط بالدول ذات الموارد الكبيرة، بل يمكن تحقيق توازن الردع من خلال أدوات ذكية منخفضة التكلفة
في هذا الإطار، يتبلور مفهوم “الردع غير التقليدي” الذي يجمع بين الردع التقليدي القائم على الجيوش الضخمة والردع غير التقليدي المرتبط بالأسلحة النووية، حيث يعتمد هذا النموذج على استخدام التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، لزيادة كلفة أي عدوان محتمل بما يجعله خيارًا غير مجدٍ للخصم، إذ يركز مفهوم الردع على إقناع الخصم بأن ثمن الهجوم سيكون أعلى من المكاسب المحتملة
وقد أظهرت الوقائع الميدانية أن الطائرات المسيّرة قادرة على تحقيق هذا الهدف بفعالية، حيث تستطيع إلحاق خسائر استراتيجية بأهداف عالية القيمة بتكلفة محدودة وفي وقت قصير، مما يعيد تشكيل معادلة القوة التقليدية، إذ يمكنها استهداف خطوط الإمداد ومراكز القيادة والرادارات والقواعد الجوية وبطاريات الدفاع الجوي، بل وحتى القيادات الميدانية، من خلال عمليات دقيقة تعتمد على الاستطلاع اللحظي والمناورة التكتيكية والهجوم المتزامن بأعداد كبيرة، مما يربك الدفاعات الجوية ويستنزفها، وهي قادرة على تنفيذ عمليات استنزاف ذكية ومكلفة للجهة المعادية دون الدخول في حرب شاملة
ومع ذلك، لا يتحقق الردع الفعّال من خلال الطائرات المسيّرة وحدها، بل يتطلب تكاملها مع بقية أذرع القوة، حيث تظل القوة الجوية المأهولة هي القادرة على الحسم التدميري واسع النطاق، بينما تبقى القوات البرية العنصر الحاسم في السيطرة على الأرض، وتؤدي الطائرات المسيّرة دور المساند الذكي الذي يوفر الاستطلاع والإسناد القريب ويقلل من الخسائر البشرية، وهذا التكامل هو ما يمنح العقيدة العسكرية الحديثة مرونتها ويحولها من نموذج ثقيل وبطيء إلى منظومة رشيقة وعالية الفعالية
بالنسبة لدولة مثل الأردن ذات الموارد المحدودة نسبيًا، فإن الاستثمار في هذا الاتجاه لا يعتبر ترفًا عسكريًا بل ضرورة إستراتيجية، حيث يتيح تبني منظومة ردع ذكية ومنخفضة التكلفة تحقيق توازن واقعي مع التهديدات الحالية والمحتملة دون الدخول في سباقات تسلح تقليدية مرهقة اقتصاديًا، لكن نجاح هذا الخيار يعتمد على تحويل مشروع الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي إلى مشروع سيادي متكامل يقوم على التصنيع المحلي وتوطين المكونات وبناء منظومة بحث وتطوير مرتبطة بالجامعات والقطاع الخاص
عندها ستتحول الطائرات المسيّرة إلى أكثر من مجرد سلاح، بل ستصبح بوابة وطنية للتقدم التكنولوجي ورافعة لتعزيز الاستقلال الإستراتيجي وأداة لحماية القرار الوطني في عالم تتغير فيه معادلات القوة بسرعة.
الأردن يتبنى استراتيجية المسيرات لتعزيز الردع بكفاءة منخفضة التكلفة

