عمان- في ظل تصاعد التوترات في القدس والضفة الغربية، يتضح أن الأحداث الأخيرة ليست مجرد تصعيد عابر، بل هي جزء من استراتيجية مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع القانوني والجيوسياسي في المنطقة، حيث يراهن الاحتلال على الزمن لفرض وقائع جديدة، بينما يسعى الأردن إلى تعزيز الشرعية الدولية وتوحيد الموقف العربي والدولي في مواجهة هذه التحديات.

تُظهر التطورات الأخيرة أن التصعيد في القدس والضفة الغربية يمثل جزءًا من مسار متدرج لإعادة رسم الخريطة السياسية والقانونية للأراضي المحتلة، حيث يسعى الأردن لمنع تثبيت هذه الوقائع قبل أن تصبح أمرًا واقعًا دائمًا، وهذا ما أكد عليه خبراء في الشأن السياسي والعسكري، حيث أشاروا إلى أن هذا التصعيد يعكس صراعًا على تعريف الشرعية وحدودها، بين سياسة فرض الأمر الواقع من جهة، ومحاولة تثبيت مرجعية القانون الدولي من جهة أخرى.

في هذا السياق، أكد الخبراء على أهمية الدبلوماسية الأردنية المدعومة بموقف عربي ودولي، حيث تسعى إلى كبح مسار الضم الذي يمكن أن يمس المصالح الأردنية ويقوض فرص الحل العادل والشامل، وقد عكست المواقف الرسمية في عمان مستوى مرتفعًا من الحزم، إذ دانت وزارة الخارجية الاقتحامات المستمرة للمسجد الأقصى، مشددة على أنه مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن الاحتلال لا يمتلك أي سيادة على القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

كما أكدت الوزارة رفضها لأي قرارات تهدف إلى ضم الأراضي الفلسطينية، معتبرة ذلك خرقًا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وبالأخص القرار 2334، الذي يتعارض مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي أكد عدم قانونية الاحتلال والاستيطان.

وحذر الخبراء من أن ما يجري يتجاوز الاقتحامات أو القرارات الإدارية، حيث يعكس انتقالًا إلى مرحلة تنفيذية منظمة تهدف إلى تطبيق قرارات تشريعية تتعلق بضم أراضي الضفة الغربية، وفي هذا السياق، أكد الخبير د. نضال أبو زيد أن ما يحدث يعكس إجراءات فعلية لتطبيق القرارات التي اتخذها الكنيست، مشيرًا إلى أن الاحتلال بدأ بإلغاء قانون الأراضي الأردني في الضفة، مما يسمح له قانونيًا بضم أجزاء كبيرة من الأراضي.

أضاف أبو زيد أن البيانات الرقمية المرتبطة بأراضي القدس تشير إلى أن 85% من الأراضي مسجلة كأملاك دولة وغائبين، مما يعني أن هذه القرارات قد تؤدي إلى ضم 40% من مساحة القدس، واعتبر أن هذا المسار بدأ فعليًا بتوسيع أراضي مستعمرة نافيه داود، ما يعني إلغاء الخط الأخضر لأول مرة منذ عام 1967، وأشار إلى إنشاء مديرية جديدة تابعة لوزارة المالية لتنظيم وتسريع عملية الضم، مما يعكس توجهًا مؤسسيًا لإدارة هذه العملية.

لم يستبعد أبو زيد أن يمتد هذا المسار إلى مناطق أخرى في الضفة، مرجحًا أن تشمل الخطوة القادمة الخليل، حيث وقع اتفاق مع السلطة في عام 1997 قسم المدينة إلى مناطق تحت سيطرة السلطة والمناطق القديمة، مشيرًا إلى أن الاحتلال بدأ في القدس ولن يتوقف عندها، وقد تكون الخليل هي الخطوة التالية.

كما أشار إلى أن حكومة الاحتلال قد تنهي الضم على مراحل بحلول عام 2030، مما يعكس استثمار نتنياهو في هذا القرار لتحقيق مكاسب انتخابية، وأكد أن الموقف الأردني كان واضحًا منذ البداية برفض خطوات الاحتلال في الضفة، حيث نجح الأردن في حشد موقف عربي ودولي رافض لقرارات الاحتلال، مما يعزز فرص توظيف أدوات الضغط الدبلوماسي المستندة إلى الشرعية الدولية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة تصعيد الاحتلال كخطوة مدروسة لإعادة تشكيل الواقع القانوني والجيوسياسي في القدس والضفة، بينما يسعى الأردن لبناء جبهة عربية ودولية رافضة لهذه الوقائع، مما يعكس أهمية التعاون الدولي في مواجهة التحديات القائمة.

وفي تحليل أعمق، أكد أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية د. بدر الماضي أن ما جرى لم يكن منفصلًا عن البنية الأيديولوجية والسياسية لحكومة الاحتلال، حيث أصبحت الضفة الغربية تحديًا جيوسياسيًا مهمًا للأردن والمنطقة، مشيرًا إلى أن خطورة المرحلة تكمن في سعي الاحتلال لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي عبر تصعيد الضغوط.

وأشار الماضي إلى أن أي تغيير قسري في الواقع السكاني أو القانوني في الضفة يحمل انعكاسات إستراتيجية على الأمن الوطني الأردني، موضحًا أن الأردن يسعى إلى زيادة الضغوط على الاحتلال عبر المنظمات الدولية ومجلس الأمن، رغم محدودية فاعلية هذه الأدوات في المرحلة الحالية.

من جهة أخرى، أكد الخبير د. بشير الدعجة أن تصعيد الاحتلال يمثل انتقالًا مدروسًا من إدارة احتلال تقليدية إلى إعادة تشكيل واقع جيوسياسي دائم، حيث تستمر السياسات لتغيير الطابع الديموغرافي والعمراني في القدس، مما يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض فرص الحل العادل للقضية الفلسطينية، وأكد أن الموقف الأردني لم يكن مجرد تضامن سياسي بل دفاع عن حق قانوني وسيادي راسخ، مما يبرز أهمية الحفاظ على المرجعيات الدولية كإطار ناظم لا يجوز كسره.