أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش على ضرورة احترام الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، مشدداً على أن الحق في تقرير المصير يعد من الأمور الأساسية التي يجب العمل عليها، كما أشار إلى أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق سلام دائم، مع تأكيده على أن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية مما يعكس تعقيدات الوضع الإقليمي وتأثيرها على الاستقرار الداخلي.
الجلسة الافتتاحية للجنة ممارسة حقوق الفلسطينيين
جاءت تصريحات جوتيريش خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، حيث أوضح أن إعلان نيويورك والتحالف العالمي من أجل حل الدولتين يمثلان مسارات واضحة للتقدم، لكنه أشار إلى أن الأهم هو تحقيق تغيير ملموس على الأرض.
وصف جوتيريش الوضع الراهن بأنه هش للغاية، مشيراً إلى المعاناة الكبيرة التي يواجهها الفلسطينيون في غزة، حيث قُتل أكثر من 500 فلسطيني منذ اتفاق أكتوبر الماضي، مما يعكس تدهور الأوضاع الإنسانية هناك.
كما حث الأمين العام جميع الأطراف على الالتزام الكامل بالاتفاق والامتثال للقانون الدولي، داعياً إلى تسهيل مرور المساعدات الإنسانية بلا عوائق، خاصة عبر معبر رفح.
تهديدات استمرار عمل المنظمات الدولية
شدد جوتيريش على أن تعليق عمل المنظمات الدولية غير الحكومية يقوض التقدم ويزيد من معاناة المدنيين، مؤكداً على أن أي حل مستدام يجب أن يضمن إدارة غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية بواسطة “حكومة فلسطينية موحدة وشرعية ومعترف بها دولياً”.
وفيما يتعلق بالضفة الغربية، حذر جوتيريش من تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني والهدم، كاشفاً عن تشريد أكثر من 37,000 فلسطيني خلال عام 2025 وحده، وهو العام الذي شهد مستويات قياسية من عنف المستوطنين.
كما أعرب عن قلقه البالغ إزاء المناقصة الإسرائيلية لبناء 3,401 وحدة سكنية في منطقة “E1″، مشيراً إلى أن تنفيذها سيفصل شمال الضفة عن جنوبها مما يقوض تواصل الأراضي الفلسطينية.
استند الأمين العام إلى رأي محكمة العدل الدولية الذي يعتبر وجود إسرائيل في الأراضي المحتلة غير قانوني، مشيراً بقلق عميق إلى تقرير مفوضية حقوق الإنسان الذي يورد أدلة على وجود “تمييز عنصري متجذر” في إدارة إسرائيل للضفة والقدس الشرقية.
انتهاك الأونروا ومقراتها
أدان الأمين العام بشدة الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإسرائيلية لهدم مجمع الأونروا في الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة، حيث أكد أن “مقرات الأونروا هي مقرات تابعة للأمم المتحدة، وهي محمية ولا يجوز انتهاكها”، واصفاً التهديدات العلنية التي يطلقها مسؤولون إسرائيليون ضد موظفي الأونروا بأنها “بغيضة للغاية ويجب أن تقابل برفض قاطع”.
بدوره، أشار المدير التنفيذي لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان سامان ظريفي إلى تأثير الصراع في غزة على النساء والرضع والصحة الإنجابية، حيث أوضح أن المنظمة بالتعاون مع عيادة حقوق الإنسان العالمية في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو نشرت تقريراً يدرس الهجمات على الرعاية الصحية والقيود المفروضة على الغذاء والإمدادات الطبية وتأثيرها على النساء في سن الإنجاب.
يخلص التقرير إلى أن الهجمات على مرافق الرعاية الصحية والقيود المفروضة على المساعدات الإنسانية وسوء التغذية الحاد قد تسببت في أضرار بالغة للنساء والرضع.
جهود الأونروا والتحديات التشغيلية
قال مسؤول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين (الأونروا) في نيويورك مايكل كونتيت إن الوكالة لا تزال أكبر جهة مقدمة للخدمات للاجئين الفلسطينيين، وعلى الرغم من التحديات التشغيلية الجسيمة، بما في ذلك مقتل 385 من موظفيها وتدمير العديد من مرافقها، يواصل أكثر من 11,000 موظف في الأونروا في غزة العمل يومياً.
تقدم الوكالة الرعاية الصحية لما يقرب من 100 ألف فلسطيني أسبوعياً، والتعليم لأكثر من 66 ألف طالب في 73 مدرسة، كما تقود الأونروا حملات التطعيم بالتعاون مع شركائها وتقدم غالبية خدمات المياه والصرف الصحي في غزة.
وحذر مايكل كونتيت من أن القيود الإسرائيلية الجديدة على المنظمات غير الحكومية الدولية والتشريعات التي توسع نطاق الإجراءات المناهضة للأونروا أدت إلى زيادة عرقلة العمليات، بما في ذلك إغلاق مدارس ومراكز صحية تابعة للأونروا في القدس الشرقية وتدمير مرافقها، محذراً من أن هذه القيود، إلى جانب عجز مالي غير مسبوق، تشكل تهديداً وجودياً للأونروا.
تأثير تقييد المنظمات غير الحكومية على المدنيين
من جهته، حذر المستشار الخاص في المجلس النرويجي للاجئين الدكتور إيتاي إبشتاين من أن عدم تجديد إسرائيل تراخيص المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة يُعرقل بالفعل تقديم المساعدات الإنسانية، حيث أُبلغت عشرات المنظمات، بما فيها المجلس النرويجي للاجئين، بانتهاء صلاحية تراخيصها دون توجيهات واضحة مما أدى إلى منع دخول موظفيها إلى غزة وتعطيل البرامج وانقطاع سلاسل الإمداد.
قال المستشار الخاص إن هذه المنظمات تقدم خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية والمأوى والغذاء والماء والتعليم بالتنسيق مع السلطات الفلسطينية ووكالات الأمم المتحدة.
وأكد إبشتاين أن تقييد العمليات الإنسانية يُلحق ضرراً مباشراً بالمدنيين ويُقوّض القانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن إخضاع الوجود الإنساني للسلطة التقديرية الإدارية الإسرائيلية يرقى إلى مستوى فرض السلطة السياسية على بُعد أساسي من أبعاد الحياة المدنية الفلسطينية السيادية ويهدد بتحويل الإغاثة إلى أداة للإخضاع.

