عمان- يعد مضيق هرمز نقطة حيوية ليس فقط لنقل النفط بل أيضًا لتوفير الأسمدة التي تمثل عنصرًا أساسيًا في إنتاج الغذاء لنصف سكان العالم، فغياب الأسمدة يعني نقصًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء بشكل ملحوظ على الصعيد العالمي، ويعتمد إنتاج الأسمدة بشكل رئيسي على الغاز القطري الطبيعي المسال الذي يمر عبر هذا المضيق، مما يجعل أي انقطاع في تدفق الغاز يهدد بتوقف مصانع الأسمدة في مناطق حيوية مثل آسيا وأوروبا، ويؤدي إلى عواقب وخيمة على الإنتاج الزراعي في مواسم حرجة.
أزمة مركبة.
اليوم نواجه أزمة معقدة لم يسبق لها مثيل في المنطقة، حيث تتزامن صدمة حادة في معروض الأسمدة مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة وشلل في سلاسل الإمداد البحرية، وذلك في وقت حرج يتزامن مع بدء موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي، إذ يستعد المزارعون في أوروبا والصين والهند وأميركا الشمالية لزراعة أراضيهم، وأي تأخير في وصول الأسمدة قد يؤدي إلى خسارة موسم زراعي كامل مما يهدد بمجاعة في المناطق التي تعتمد على استيراد الغذاء.
تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” إلى أن أي نقص بنسبة 20% في الأسمدة قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي العالمي بنحو 10%، مما قد يحدث اضطرابًا كبيرًا في الأسواق، وتعتبر الأزمة الحالية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، حيث إن الباحثين في معهد كارنيغي للسلام الدولي أكدوا أن هذه الأزمة تتفوق على سابقتها التي حدثت عام 2022 بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، مما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي العالمي قد يستمر لسنوات، ومن المقلق أن الأسمدة غالبًا ما تكون الضحية الأسهل في الأزمات البحرية حيث تُعطى الأولوية لناقلات النفط والغاز.
الأخطر من ذلك أن دول مجموعة السبع الكبرى لا تحتفظ باحتياطيات استراتيجية للأسمدة كما تفعل مع النفط، حيث توجد احتياطات نفطية تكفي لعدة أشهر في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن لا توجد صوامع احتياطية للأسمدة أو الأمونيا أو الغاز الطبيعي المخصص للزراعة، مما يعني أن أي انقطاع مفاجئ سينتقل مباشرة للمزارع دون أي شبكة أمان، وحتى في حال فتح المضيق غدًا، فإن إعادة تشغيل الإنتاج والنقل للأسمدة ومكوناتها قد تستغرق وقتًا طويلاً.
أما بالنسبة للأردن، فإن الانعكاسات واضحة، فرغم أن الأردن لا يستورد الغاز القطري بكميات كبيرة، إلا أن السوق العالمية للأسمدة ستشهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، حيث يعتمد القطاع الزراعي الأردني على استيراد الأسمدة لتلبية أكثر من 60% من احتياجاته، بينما يغطي الإنتاج المحلي أكثر من 50% من احتياجات الأسواق، ويُظهر المخزون الاستراتيجي الأردني من القمح والشعير فترات تغطية جيدة، لكن باقي مفردات السلة الغذائية تحتاج إلى مراقبة دقيقة.
معادلة صعبة أمام القطاع الزراعي.
القطاع الزراعي الأردني يواجه تحديات كبيرة، حيث يستمر الطلب المحلي على الغذاء في الزيادة، بينما قد ترتفع تكاليف الإنتاج بنسبة تصل إلى 30-40% إذا استمرت الأزمة، مما قد يستدعي الحكومة لزيادة دعم الأسمدة أو فتح الاستيراد من أسواق بديلة، لكن الخيارات تبقى محدودة في ظل أزمة عالمية شاملة، وتعتبر المنطقة العربية الأكثر تضررًا من أزمات الغذاء، حيث تستورد معظم الدول أكثر من 50% من غذائها، وأي ارتفاع في الأسعار العالمية سينعكس مباشرة على المستهلك المحلي.
الحرب في غزة والتوترات في البحر الأحمر ساهمت في زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وإضافة أزمة الأسمدة قد تؤدي إلى موجة تضخمية جديدة في أسعار المواد الغذائية، مما يبرز أن الأمن الغذائي لم يعد قضية محلية أو إقليمية بل أصبح مرتبطًا بأمن الممرات البحرية العالمية، فمضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا يمد العالم بالأسمدة التي تنتج الغذاء، وأي تهديد لهذا الممر يمثل تهديدًا مباشرًا لقدرة البشرية على إطعام نفسها، والأردن، كغيره من الدول المستوردة للغذاء والمدخلات الزراعية، سيعاني إذا لم يتم احتواء الأزمة سريعًا، وإذا لم تضع الحكومات العربية خطط طوارئ لمواجهة انقطاعات محتملة تمتد لأسابيع أو شهور، فالأمر يتطلب إدراكًا عميقًا لأهمية الأسمدة في إنتاج الغذاء وأهمية الاستقرار في الممرات البحرية لضمان وصولها.

