كلما واجه العالم أحداثًا جسيمة، يتضح لنا أن تعزيز الأمن القومي العربي يتطلب تقدمًا ملحوظًا في مجالات البحث العلمي والابتكار، حيث لم يعد التفوق العسكري أو الاقتصادي يعتمد فقط على الموارد الطبيعية، بل أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بالإنتاج العلمي، فالدول التي تمتلك أنظمة بحث علمي متطورة تستطيع إنتاج الأدوية وتطوير الصناعات العسكرية وقيادة الابتكار التكنولوجي وتحقيق الأمن الغذائي، بينما تعاني دول أخرى في الوصول إلى مستويات مرضية من الأمن القومي لديها.

تاريخيًا، يظهر أن الضعف في البحث العلمي يشكل خطرًا كبيرًا على الدول، فعلى سبيل المثال، تمكنت الدول الأوروبية من بناء نهضة علمية وعسكرية ومدنية، بينما تراجعت الدولة العثمانية رغم تبنيها لاستخدام البارود في جيوشها النظامية مبكرًا.

في القرن السادس عشر، شهدت أوروبا تحولًا عميقًا في طبيعة القوة العسكرية، إذ لم تكتف تلك الدول بتبني تقنيات البارود والأسلحة النارية، بل ربطت التطور العسكري بالبحث العلمي والتقدم الصناعي، حيث ساهمت الجامعات والمختبرات في تطوير علوم الرياضيات والفيزياء والهندسة، وهي علوم كان لها تأثير مباشر على تحسين أداء المدفعية وصناعة السفن الحربية وتقنيات الملاحة وأنظمة التحصين، مما جعلها تتفوق بشكل ملحوظ على الدول العثمانية رغم كفاءتها في استخدام البارود والمدفعية.

بينما اتجهت الدول الأوروبية لدعم البحث العلمي وتطوير الصناعات المرتبطة بالحرب والاقتصاد، بقيت الدولة العثمانية أقل استثمارًا في المؤسسات العلمية والتكنولوجية الحديثة، مما أدى إلى تراجعها وفقدانها مكانتها على خريطة العالم.

تشير الدراسات الدولية إلى أن الاستثمار في البحث العلمي يعد العامل الحاسم في بناء اقتصاد المعرفة، فالدول المتقدمة تنفق نسبًا مرتفعة من ناتجها المحلي على البحث والتطوير، حيث يتراوح متوسط الإنفاق العالمي على البحث والتطوير بين 1.7% و2% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تتجاوز هذه النسبة 3% في بعض الدول المتقدمة.

تشير هذه الفجوة التمويلية إلى أن العالم العربي ينتج معرفة علمية أقل بكثير مما تنتجه الدول المتقدمة، مما يؤثر على قدرته في الابتكار والتصنيع، وبالتالي يؤدي إلى ضعف الأمن القومي العربي وعدم القدرة على مواجهة المخططات الخارجية في بعض الأحيان.

من جهة أخرى، تعتبر صناعة الدواء من أكثر الصناعات اعتمادًا على البحث العلمي، وهي جزء أساسي من بناء أمن قومي فعال، ورغم تطور بعض الدول العربية في إنتاج بعض الأدوية، يبقى هناك حاجة ملحة لضخ استثمارات في المجال الصيدلاني والطبي، مما يسهم في تسريع التطور العلمي والصحي، حيث إن غياب الاستثمار الكافي في البحث الطبي يعني استمرار اعتماد المنطقة على الشركات العالمية في علاج الأمراض، مما قد يهدد الأمن الصحي في أوقات الأزمات، وهو جزء مهم من الأمن القومي العربي.

فيما يتعلق بالاستثمارات في القوة العسكرية، تشير التقارير الدولية إلى أن الدول التي تتصدر الصناعات العسكرية هي نفسها الأكثر استثمارًا في البحث والتطوير، حيث تحقق التفوق العسكري الأميركي أو الأوروبي أو الآسيوي من خلال تطوير الصناعات العسكرية في مختبرات البحث العلمي.

في المقابل، تعتمد معظم الدول العربية على استيراد الأسلحة بدلاً من تطويرها محليًا، مما يخلق حالة من التبعية الاستراتيجية، حيث تصبح القدرة الدفاعية مرتبطة بإرادة الدول المصدرة للأسلحة، وقد تتعرض للخضات في حالة تغير المصالح.

لا يقتصر أثر البحث العلمي على الصحة أو الأمن العسكري، بل يمتد إلى الاقتصاد بأكمله، فالدول التي تستثمر في البحث العلمي تحقق مستويات عالية من الابتكار التكنولوجي، وتنجح في بناء شركات عالمية في مجالات التكنولوجيا والدواء والطاقة، مما يؤدي إلى تحقيق معدلات نمو مستقرة، على عكس الدول الأخرى.

تعتبر تجربة كوريا الجنوبية مثالًا واضحًا على ذلك، فقد كانت في خمسينيات القرن الماضي دولة فقيرة تعتمد على الزراعة، لكنها استثمرت بقوة في التعليم والبحث العلمي، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكبر الاقتصادات التكنولوجية في العالم.

كما أن الصين رفعت إنفاقها على البحث العلمي إلى مستويات عالية خلال العقود الأخيرة، مما مكنها من التحول إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية تنافس الولايات المتحدة الأميركية في كافة المجالات.

تؤكد هذه التجارب أن الاستثمار في العلم ليس ترفًا، بل هو الطريق الحقيقي للتنمية، ولتحقيق الأمن القومي الشامل، مما يستدعي من الدول العربية تغليب المصلحة العامة للأمة العربية، والتكاتف وبناء مشاريع مشتركة في المجالات العلمية كافة، وخاصة ما يتعلق بصناعة الدواء والتصنيع العسكري والغذاء، لنصل إلى مفهوم شامل للأمن القومي العربي قائم على التقدم العلمي.

لا يمكن إنكار أن هناك جهودًا تبذل في هذا الاتجاه، ولكنها جهود فردية تفتقر إلى التكامل العربي، وكل حدث يمر يثبت لنا أن التنسيق العربي الفعال هو الطريق لمزيد من التطور والتقدم.

لا نطالب بالوحدة العربية بالمفهوم التقليدي الذي يؤدي إلى إزالة الحدود، بل إلى التكامل الاقتصادي والعلمي والاجتماعي، ولنا في التجربة الأوروبية مثال وتجربة حية، حيث يتجه العالم نحو مزيد من الفوضى التي تحتاج إلى مثل هذا التكاتف في ظل نظام دولي لا يعترف إلا بالأقوياء.

الأمة العربية عظيمة وتحتاج إلى تكامل وتعاضد، وجعل البحث العلمي في قمة أولوياتها لتحقيق الأمن القومي الشامل في بلادنا كافة، لتعيش شعوبنا في رخاء وأمان وسلام بعيدًا عن الخوف من الواقع والمستقبل.