عمان في إطار سعي وزارة التربية والتعليم لتطوير نظام الإشراف التربوي، تتجلى أهمية القيادة التشاركية كأداة فعالة لتحسين جودة التعليم وتعزيز قدرات المعلمين، حيث أشار وزير التربية والتعليم د. عزمي محافظة خلال رعايته للملتقى التربوي الثاني لرؤساء أقسام الإشراف التربوي إلى ضرورة إعادة بناء فلسفة الإشراف وأساليبه بما يتناسب مع المتغيرات العالمية والتطورات التقنية واحتياجات المتعلمين المتنوعة مما يسهم في تحسين الممارسات التعليمية وتحقيق تعلم مستدام وفاعل.
في هذا السياق، يعتبر خبراء التربية أن التحول نحو الإشراف التربوي القيادي التشاركي ليس مجرد خيار تنظيمي بل ضرورة تتطلبها التحولات المعرفية والتكنولوجية المتسارعة، حيث يسهم هذا النموذج في تحويل الصف إلى مساحة تعلم نشطة تُبنى فيها المعرفة من خلال الحوار والتجربة، مما يعزز شعور الطلبة بأن التعلم تجربة إنسانية تفاعلية تشجعهم على التساؤل والتحليل وتحمل مسؤولية تعلمهم.
كما أشار الخبراء إلى أن الاستثمار في الإشراف التربوي يعد ركيزة أساسية لإصلاح تعليمي حقيقي يمهد لبناء مدرسة عصرية قادرة على إعداد جيل يمتلك مهارات التفكير والابتكار والقدرة على التكيف مع عالم سريع التغير، حيث أن المدارس التي تتبنى هذا النهج لا تكتفي بتحسين نتائجها الآنية بل تبني تميزاً مستداماً يصنع أثراً حقيقياً في حياة الأفراد والمجتمعات.
تحولات جوهرية.
في هذا السياق، أكد الخبير فيصل تايه أن التعليم يمر بتحولات جوهرية تتطلب إعادة النظر في مفاهيم تقليدية مثل الإشراف التربوي، مشدداً على أن الإشراف لم يعد مقبولًا كأداة تقييم منفصلة عن جوهر العملية التعليمية بل يجب أن يُفهم كفعل قيادي تشاركي يستند إلى الثقة والشراكة، حيث يضع الإنسان في مركز الاهتمام.
وأوضح تايه أن التحول نحو الإشراف القيادي التشاركي يعكس وعيًا متقدماً بأن تطوير التعليم لا يمكن أن يتحقق دون تمكين المعلم وإشراكه بصورة حقيقية في صناعة القرار التربوي، مما يغير طبيعة علاقته بالمهنة والمدرسة والطلبة، ويعزز التزامه ويرفع مستوى وعيه بدوره.
وأشار إلى أن هذا الإحساس بالتمكين يفتح أمام المعلم آفاقًا أوسع للتجديد والابتكار، ويمنحه الجرأة على تجاوز القوالب التقليدية نحو ممارسات تعليمية أكثر حيوية، قادرة على مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة وتوظيف التقنيات الحديثة بشكل يخدم التعلم ويعززه، حيث أن جودة التعليم لا تتحقق بقرارات فوقية بل تنبع من معلم يشعر بأن صوته مسموع وجهده محل تقدير.
ولفت إلى أن أثر هذا النهج يمتد ليصوغ المناخ العام للمدرسة، حيث تسود ثقافة المشاركة والتعاون ويتحول الإشراف إلى علاقة دعم وتوجيه بدلًا من أن يكون أداة محاسبة، مما يعزز الانتماء المؤسسي ويحول المدرسة إلى مجتمع تعلم متكامل يتشارك أفراده الرؤية والهدف.
وأكد تايه أن لهذا التوجه أثرًا نفسيًا عميقًا على المعلم والطالب معًا، فالمعلم الذي يحظى بدعم قيادي وتربوي يكون أكثر استقرارًا وأقل عرضة للاحتراق المهني، بينما يشعر الطالب في بيئة إيجابية يقودها معلمون واثقون بالأمان والانتماء.
ضرورة إصلاحية.
بدوره، أكد الخبير محمد الصمادي أن التحول نحو الإشراف التربوي لم يعد خيارًا تنظيميًا بل ضرورة إصلاحية تتطلبها طبيعة المرحلة، مشددًا على أن النموذج التقليدي القائم على التفتيش والمتابعة الشكلية لم يعد قادرًا على إحداث الأثر المطلوب داخل المدرسة.
وأوضح الصمادي أن الإشراف القيادي يمثل تحولًا في الثقافة المهنية، حيث ينقل العمل التربوي من منطق المساءلة الأحادية إلى منطق الشراكة والتمكين، بحيث يصبح المشرف شريكًا مهنيًا للمعلم، وليس مجرد مقيم لأدائه.
مؤكداً أن المعلم يُنظر إليه كخبير ميداني وصاحب قرار تربوي، وتُستثمر خبرته في تطوير الممارسة التعليمية، بدل الاكتفاء برصد الملاحظات، حيث يتمثل جوهر هذا النموذج بتمكين المعلمين عبر حوار مهني عميق وتوظيف الزيارات الصفية كفرص للتأمل المشترك.
وأضاف الصمادي أن البيئة الإشرافية الداعمة تعزز شعور المعلم بالأمان المهني، مما يحول التطوير من نشاط موسمي إلى ممارسة يومية مستمرة، بما يرسخ مفهوم مجتمعات التعلم المهنية القائمة على تبادل الخبرات ومعالجة التحديات بشكل جماعي.
وأشار إلى أن تحسين جودة التعليم لا يتحقق بقرارات إدارية معزولة بل عبر تراكم ممارسات دقيقة داخل الغرف الصفية، موضحًا أن الإشراف القيادي التشاركي يربط بين الرؤية الاستراتيجية للمدرسة والتطبيق الفعلي، بتحليل بيانات التحصيل وتشخيص الفجوات التعليمية.
كما يسهم هذا النموذج في تطوير أدوات التقويم لتقيس مهارات التفكير والتحليل والعمل التعاوني، وليس الحفظ والاسترجاع فقط، مما يعزز بناء بيئة مدرسية محفزة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
وأكد أن المدرسة التي تعمل بروح الفريق تكون أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الطلبة الأكاديمية والنفسية والاجتماعية، وتتحول إلى منظومة تعلم متكاملة تبني قراراتها على أسس علمية واضحة.
مواجهة المشكلات التربوية.
من جانبه، أكد الخبير عايش النوايسة أن النظم التربوية تسعى بصورة مستمرة لتطوير عناصر منظومتها وضمان استدامتها وفاعليتها، مشيرًا إلى أن الإشراف التربوي من مكوناتها الأساسية وقد نال اهتمامًا كبيرًا منذ نشأته تحت مسمى “تفتيش التعليم” وصولًا لمفهوم “الإشراف التربوي التشاركي” بخصائصه ومهامه وأدواره المتعددة.
وأوضح أن الإشراف التربوي يمثل الجهة الأهم التي تقدم الدعم الفني لتطوير وتحسين أداء المعلمين، بوصفه الذراع الأساسية لوزارة التربية والمدارس، حيث طورت الوزارة الإشراف ليكون أكثر ارتباطًا بالجانب المهني وتعميق اختصاصه الفني.
كما يشير النوايسة إلى أن الإشراف التشاركي جاء لحاجة ملحّة لإعادة صياغة العلاقة بين المعلم والمشرف، بحيث تقوم على الشراكة الإيجابية الهادفة لتحسين الأداء، بعيدًا عن الأطر التقليدية، مما يعكس التطورات التي شهدتها مهنة التدريس.
ولفت إلى أن الإشراف التشاركي يتميز بابتعاده عن النمط الرقابي والتركيز على التعاون كطريقة مُثلى لتحديد المشكلات والبحث عن حلولها عبر استكشاف البدائل بشكل تشاركي، حيث يمارس المشرف دوره كقائد مما يسهم في تطوير نوعية التعليم وتحقيق أهدافه بكفاءة وفاعلية.
وأكد أن الإشراف التربوي التشاركي يُعد أحد خدمات المهنية التي يقدمها النظام التربوي لدعم المعلمين، تقوم على الاحترام المتبادل والنظر إلى المعلم كشريك يمتلك خبرات يُستفاد منها، مما يتيح للمعلم التعبير عن آرائه بثقة ويعزز قدرته على الإبداع والتطوير الذاتي.

